القاهرة: الخليج

يمثل «تيار الوعي» الثورة الحقيقية في تاريخ التطور الروائي، وهذا الاتجاه في صورته الناضجة هو بالطبع من نتاج القرن العشرين، وكان روبرت همفري مؤلف كتاب «تيار الوعي في الرواية الحديثة» الذي ترجمه إلى العربية د. محمود الربيعي، لا يعطي أهمية للأصول التاريخية لهذا الاتجاه.

وإن كان قد أشار إلى أن جذور تيار الوعي موجودة في روايات تنتمي إلى قرون ماضية، ثم عاد فوضع فروقاً بين الرواية السيكولوجية وبين رواية «تيار الوعي» ليؤكد استقلال هذا التيار عن أي تيارات أخرى، وأخرج هنري جيمس ومارسيل بروست من كتاب هذا الاتجاه.

وقال همفري إن رواية تيار الوعي «نوع من القصص يركز فيه أساساً على ارتياد مستويات ما قبل الكلام من الوعي، بهدف الكشف عن الكيان النفسي للشخصيات» ويعترف بأن هذا المصطلح من المصطلحات الخداعة، التي يستخدمها النقاد والكتاب، وتيار الوعي يفيد في الأساس علماء النفس، وقد ابتدعه وليم جيمس، ومن الواضح أن هذا التعبير أكثر ما يكون فائدة، عندما يطبق على العمليات الذهنية.

ويثبت بالتحليل أن الروايات التي يقال عنها إنها تستخدم تكنيك «تيار الوعي» بدرجة كبيرة هي الروايات التي يحتوي مضمونها الجوهري على وعي شخصية أو أكثر، أي أن الوعي المصور يخدمنا باعتباره «شاشة» تعرض عليها المادة في هذه الروايات، وقد استنكرت تعليقات علماء النفس الغاضبة استخدام الرجل العادي لهذا المصطلح.

ويدل الوعي على منطقة الانتباه الذهني، التي تبتدئ من ما قبل الوعي، وتمر بمستويات الذهن، وتصعد حتى تصل إلى أعلى مستوى في الذهن فتشمله، وهو مستوى التفكير الذهني والاتصال بالآخرين، وهذه المنطقة الأخيرة هي المنطقة التي تهتم بها كل القصص السيكولوجية تقريباً.

ويهتم همفري بالوعي ويقصد به كل منطقة العمليات العقلية، بما فيها مستويات ما قبل الكلام على وجه الخصوص، ويستخدم مصطلح «النفس» باعتباره مرادفاً لمصطلح الوعي، وحتى كلمة الذهن «تستعمل أحياناً على أنها مرادف آخر، ولا ينبغي أن يخلط بين «الوعي» وبين «الذكاء» و«الذاكرة».

ولقد كتب هنري جيمس روايات كشفت عن عمليات ذهنية احتفظ فيها بوجهة نظر محددة، وذلك حتى تقدم الرواية كلها من خلال ذهن الشخصية، كما أن رواية «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست، تهتم من الوعي بالجانب المتصل بالذكريات فحسب.

بمثل هذا المفهوم للوعي يمكن أن نعرف قصص «تيار الوعي» أنه نوع من القصص يهدف إلى الكشف عن الكيان النفسي للشخصيات، ولا يوجد تكنيك خاص لتيار الوعي، وإنما يوجد بدلاً من ذلك عدة ألوان من التكنيك متباينة، تستخدم لتقديم تيار الوعي.

ويؤكد همفري، أن تيار الوعي ليس مرادفاً للمونولوج الداخلي، إنه ليس مصطلحاً لوصف طريقة خاصة أو تكنيك خاص، مع أنه ربما يكون قد استعمل أساساً في النقد الأدبي لمثل هذا الغرض.