القاهرة: «الخليج»

يوضح الدكتور فوزي الشامي في كتاب «شوبان على ضفاف النيل» أن شوبان لم تطأ أقدامه مصر، لكن ألحانه كانت تتسرب من شرفات ونوافذ المنازل، تشيع في الأجواء نسائم رومانسية راقية، حيث تطلقها أنامل فتيات مصريات أو أجنبيات من مواطني مصر والأرمن واليونانيين والإيطاليين.

فريدريك شوبان هو شاعر البيانو البولندي، وأحد أهم المؤلفين الرومانتيكيين في القرن التاسع عشر، مولود في قرية بإحدى ضواحي العاصمة وارسو عام 1810 وقد رحل عن وطنه مرغماً، على أمل العودة إليه يوماً ما، لكنه لم يعد.

كانت بولندا حين رحيله عام 1830 بركاناً يغلي بالثورة والمقاومة المسلحة، سعياً إلى تحرير الوطن، من الاحتلال الروسي، ولم تعد مكاناً ملائماً لفنان، يريد أن يبدع في سلام، فلم يكن أمامه إلا أن يحمل السلاح أو أن يرحل ليواصل إبداعاته بعيداً في هدوء، فبموسيقاه يستطيع أن يتغنى بالوطن، ويمجد ثورة بلاده، ويخبر العالم بعدالة قضيته، لذا رجاه أصدقاؤه أن يرحل إلى أي بلد آخر، لأنه لن يتمكن من حمل السلاح، خاصة أن جسده كان هزيلاً وعليلاً.

في مشهد وداع حزين ومؤثر أهدى إليه الأصدقاء لفافة بها حفنة من تراب الوطن، آملين فيه أن يرفع اسم وطنه بولندا وقضيتها بإبداعاته في أنحاء العالم، فرحل إلى فيينا وهناك وصلت إليه أنباء سحق الروس لرجال الثورة ضد القيصر، وحين عانى في فيينا مرارة الغربة والمرض، رحل إلى باريس متوسماً فيها أملاً أخيراً في العودة إلى بلاده.

لكن أمله في العودة لم يتحقق، ولم تدم حياته طويلاً وغادر ذلك العالم وهو في التاسعة والثلاثين من عمره في باريس التي دفن جسده فيها، ودفن قلبه في مسقط رأسه وارسو، تاركا وراءه لوطنه وللبشرية إرثاً من الإبداعات الإنسانية الخالدة.

كرس شوبان حياته للبيانو وقضية وطنه واتسمت أعماله بروح وطنية وموسيقى بلاده الشعبية التي عشقها، ولهذا عجز الكثيرون بعد رحيله، وهم يحاولون أن يجدوا فيه مؤلفاً صنعته فرنسا والثقافة الفرنسية.

لكن دون جدوى، ففي المكان الذي عاش فيه هناك لم يكن فرنسياً إلا بالقدر الذي استطاع أن يتحسس فيه الثقافة الفرنسية، ولم يصبح فرنسياً بطباعه قط، لكنه حافظ على قوميته ووطنيته، فكان بذلك هو وصديقه فرانز ليست المؤلف وعازف البيانو الشهير والكاتب مجري الأصل الذي هاجر إلى باريس من أكثر الفنانين الغرباء الذين عاشوا في فرنسا أصالة ووطنية.

لم يعد شوبان رغم حياته القصيرة اسماً لفنان عبقري ملأت أعماله الدنيا بأسرها فحسب، بل أصبح رمزاً إنسانيا في كل البلدان، وليس لبولندا موطنه الأصلي، ولا لفرنسا التي عاش فيها شطراً من حياته، وسيظل في ذاكرة التاريخ بإبداعاته التي صارت جزءاً من التراث البولندي والإنساني، إنه بطل قومي مثل كل ثائر بولندي حمل السلاح للدفاع عن وطنه.

هذا العمل أول كتاب عن شوبان ينشر في مصر، ويخاطب قارئ اللغة العربية، وإلى جانب ذلك فهو يعرض الوضع في مصر والظروف الاجتماعية التي صاحبت وصول موسيقى شوبان إلى ضفاف النيل، ومنها إلى قلوب عشاق الموسيقى.