القاهرة: «الخليج»
في رواية «المرأة المسكونة» التي ترجمها طلعت شاهين إلى العربية، تقدم لنا الروائية النيكاراغوية «جيوكندا بيلي» شخصية «إيتثا»، أو «نقطة الندى»، التي تعبر عن النقاء البدائي في الطبيعة، وهي تنتمي إلى شعب نيكاراغوا خلال الغزو الإسباني، بعد ما يسمى «عصر الاكتشاف»، وتعود إلى الحياة من جديد في القرن العشرين، من خلال تجسدها في شجرة برتقال، زرعتها شخصية رئيسية في الرواية، هي عمة البطلة «لافيينا» التي تبنتها في ظل غياب الأبوين المشغولين عنها.
تتسلل البطلة الأسطورية إلى الشخصية المعاصرة من خلال عصير البرتقال، المقطوف من تلك الشجرة، فتكوّنان معاً مزاجاً واحداً، فنرى الشخصية الأسطورية تلعب دور الحارس، بل الموجّه للشخصية المعاصرة، لتواصل النضال القديم ضد كل أشكال الظلم والطغيان، إذ كانت الشخصية الأسطورية «إيتثا» لعبت دورها في التمرد على تقاليد القبيلة، وتبعت لافيينا «حبيبها للنضال ضد ديكتاتورية الجنرال الأكبر، الذي لا يقل قسوة وظلماً في تعامله مع مواطني بلاده من الغازي الإسباني».
تعود العناصر الأسطورية إلى التجسد من جديد في رواية «جيوكندا بيلي» الثانية «صوفيا سيدة المعجزات»، فتقدم لنا الشخصية النسائية الأسطورية من خلال «الساحرات»، أي تلك الكائنات التي تعرف أسرار الطبيعة وتسخّرها من أجل خدمتها. والبحث في الأعمال الروائية لتلك الكاتبة يكشف دائماً عن إصرارها على إحاطة شخصيات رواياتها بعناصر نسائية أسطورية لها ملامح نابعة عن أصول وتاريخ تلك المجتمعات القديمة، لإبراز دور المرأة في المجتمعات المعاصرة.
تسعى الشخصية النسائية دائماً إلى حياة أكثر عدلاً، وتأتي تلك الشخصيات الأسطورية مخترقة التاريخ والواقع لمساعدة بطلات هذه الأعمال من أجل التوصل إلى تحقيق هذا الهدف، وعندما تسير الأحداث بشكل غير منطقي لتحقيق الهدف، فإنها تبحث عن طرق أخرى تؤدي إلى تحقيق هذه الفكرة روائياً، من خلال التفكير في القوى الخارقة للطبيعة، التي يوفرها استخدام الشخصيات الأسطورية.
وتعتبر الكاتبة والشاعرة جيوكندا بيلي، واحدة من أهم المبدعات في منطقة وسط جنوب أمريكا اللاتينية الناطقة باللغة الإسبانية، وقد بدأت حياتها شاعرة مناضلة في «جبهة الساندنيستا»، بقيادة «دانييل أورتيغا» التي كافحت في نيكاراغوا ضد نظام الديكتاتور «سموزا» المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية طوال عقود إلى أن أسقطته الثورة.
وواصلت الكاتبة كفاحها خلال فترة الحرب التي تلت سقوط نظام «سموزا» ضد قوات «الكونترا» التي كانت تمولها وتدربها المخابرات الأمريكية في محاولة لإسقاط الثورة والعودة إلى البلاد، وراح ضحيتها عشرات الآلاف من الفلاحين الأبرياء، الذين كانوا يدعمون الثوار، ويرفضون الخضوع للمطالب الأمريكية بالتخلي عن منجزات الثورة التي أسقطت الإقطاع والامتيازات الأجنبية، التي كانت قائمة طوال عقود، وتحولت خلالها نيكاراغوا إلى إحدى جمهوريات الموز، التي كانت تديرها شركة الفاكهة الأمريكية.
جوائز
وخلال مسيرتها الشعرية فازت جيوكندا بيلي بالعديد من الجوائز، ثم مع منتصف الثمانينات تحولت إلى كتابة الرواية، وقدمت ثلاثة من أهم الأعمال الروائية: «المرأة المسكونة – صوفيا سيدة المعجزات – سلالا»، وبفضل هذه الروايات فازت بجوائز عدة.
يجمع بين هذه الروايات وغيرها، البحث المستمر في العقائد القديمة السابقة على وصول رحلات الاستكشاف بقيادة كولومبوس لتلك البلاد، حيث نجد في كل رواية شخصية نسائية أسطورية عادة ما تحاول مساعدة البطلة الشخصية المحورية في كل رواية للوصول إلى هدفها، أو تلعب دوراً مكملاً لدور البطلة لتشكلا معاً مجموعة من الشخصيات التي تحاول خلق توازن ميثولوجي لشكل واحد.
ا ستفادت جيوكندا بيلي (ولدت عام 1948) في إبداعها الروائي من الجانب الشفاهي في ثقافة بلادها التي تروي الأساطير التي تتوارثها الأجيال من السكان الأصليين في البلاد، الذين يمثلون الجانب الأكبر تعداداً بين السكان، وهذه الأعمال الشفاهية تؤكد دور المرأة في مقاومة الغزاة، الذين استعبدوا أهل البلاد، ودمروا حضارتهم، التي تؤكد الشواهد الباقية على أنها كانت حضارة متقدمة.