الشارقة: عثمان حسن
تنطلق اليوم الدورة ال 32 من معرض أبوظبي للكتاب، وعلى مدار سبعة أيام يحتفي المعرض بمفاصل الثقافة كافة، من خلال فعاليات تضيء على الدولة ضيف الشرف، تركيا، وتستعيد زخم مفكر بوزن ابن خلدون، شخصية المعرض، فضلاً عن حفل توزيع جوائز الشيخ زايد للكتاب، وهناك برامج عدة ترضي أذواق الجمهور. لقد تحول المعرض، الذي تشارك فيه 85 دولة، بعد ثلاثة عقود إلى مؤسسة متكاملة الأركان، ولم يعد مكاناً لعرض أحدث الإصدارات وحسب، وتحول إلى عاصمة للمعرفة، يستطيع المتجول فيها أن يتعرف إلى أفكار وثقافات العالم، ويستمتع بوجبة ثقافية دسمة.
ظهرت بوادر الحركة الأدبية المعاصرة في تركيا نحو عام 1800، وهي الفترة التي شهدت دعما للإصلاح وتعميق العلاقات التركية الغربية التي انعكست في ظهور اتجاهات أدبية وفكرية جديدة، كما نشطت في تلك الفترة حركة الترجمة والتأليف وإصدار الكتب الأدبية، والتي مهدت لظهور كتابات ثقافية متنوعة، تزامناً مع صدور الصحف وظهور منشورات مختلفة في السياسة والفكر والمسرح، وغيرها.
مع تأسيس الجمهورية التركية، ظهرت نخبة من الأسماء مثل: خالدة أديب، ويعقوب قدري قرا، وعثمان أوغلو، وسعاد درويش، وسعيد فائق عباسي، وأحمد مدحت أفندي، وغيرهم.. وفي فترة الحرب العالمية الثانية، وما بعدها، شهدت تركيا فترة نشطة بكل المقاييس في فنون الرواية القصة والشعر والمسرح، وهي الفترة التي استفادت من تأثيرات الحداثة الغربية، فكانت هناك ثورة حقيقية في الأدب التركي، في اللغة والقصة والرواية والمقال الأدبي والشعر والمسرح مع ظهور أسماء راسخة لا يزال صداها يتردد إلى اليوم، مثل: يشار كمال، وعزيز نيسين، وأوغوز أتاي، ومن بعدهم أورهان باموق، وأليف شافاق وغيرهم الكثير، مع ملاحظة أن عشرات الأسماء من هؤلاء الكتاب قد مزجوا في كتاباتهم بين مختلف أنواع الفنون الأدبية بين الرواية والقصة والشعر، وغير ذلك، غير أن بعضهم تميز بنوع واحد من الفنون الأدبية.
مصدر إلهام
لا يمكن استعراض تطور الرواية التركية المعاصرة من دون الحديث عن أسماء مؤثرة، كان لها سبق البدايات في هذا النوع الأدبي، فهناك الرائدة خالدة أديب (1884 – 1964) وهي الكاتبة التركية الأكثر شهرة في البلدان الأجنبية ومن رواياتها: (الشبح، أم رايكا، هاندان، توران الجديد، قرار محتوم، قميص من لهب، ابن زينو، تل يولبالاس، وغيرها الكثير، وخالدة أديب تأثرت بالأحياء الفقيرة في إسطنبول وشكلت مصدر إلهام، لها كما ظهر في روايتها (بقال الذباب)، كما تأثرت بكتابات الأديبين التركيين ضياء كوك ألب، ويوسف آقجورا.
ويمكن الإشارة إلى الروائية سعاد درويش (1905-1972) التي نشرت روايتها الأولى (الكتاب الأسود) وقوبلت بالدهشة والذهول في عالم الأدب، وشرحت من خلالها الأصوات الداخلية ومشاعر فتاة شابة جميلة وحساسة محكوم عليها بالموت، كما كتبت روايتها التي وصفت بالبارعة (لا صوت ولا نفس)، وواصلت نشر عشر روايات أخرى حتى عام 1932، وكانت موضوعاتها المبكرة تدور حول الجندر والطبقة وعلم نفس المرأة.
وإذا ما ذكر الروائي عزيز نيسين (1915 – 1995)، فهو بلا منازع سيد الأدب في العصر الحديث، وترجمت أعماله إلى أكثر من 44 لغة.
وهناك يشار كمال (1923 – 2015) الذي حصل على العديد من الجوائز الأدبية المرموقة، كما رشح لجائزة نوبل للآداب عام 1973، وهو صاحب إسهامات مهمة في الأدب والثقافة التركية، وتعتبر روايته «محمد النحيل» باكورة أعماله الأدبية، ووظف فيها الأساطير الشعبية بلغة تمزج بين اللهجات الدارجة والثقافات المختلفة.، ترجمت أعمال كمال إلى أكثر من 30 لغة، وقورنت أعماله بأعمال الكاتب الأمريكي وليام فولكنر.
الروائي أورهان باموق المولود في إسطنبول 1952، والحاصل على جائزة نوبل للآداب في 2006، هو صاحب بصمة خاصة في الرواية اشتهر بأعماله التي تبحث في الهوية والتاريخ التركي، بدأ الكتابة بجدية في عام 1974، وبعد ثماني سنوات نشر روايته الأولى، «جودت باي وأبناؤه»، وهي عن عائلة من إسطنبول أثناء وبعد إنشاء الجمهورية التركية، أتبعها برواية (البيت الصامت) 1983. حقق باموق شهرة عالمية لأول مرة مع روايته الثالثة (القلعة البيضاء) 1985، وتضمنت رواياته اللاحقة، (الكتاب الأسود) في 1990، والتي تقدم تصويرا كثيفا لإسطنبول، و(اسمي أحمر) في 1998. ومع لغة خاصة لا تقل أهمية تبرز الروائية أليف شافاق التي ولدت في 1971 وهي تنشر باللغتين التركية والإنجليزية، كتبت نحو 19 عملاً، واشتهرت برواياتها التي حققت مبيعات هائلة في تركيا وخارجها وبينها (قواعد العشق الأربعون) و(قصرالحلوى)، و(لقيطة إسطنبول)، و(حليب أسود)، وترجمت كتبها إلى 55 لغة وتم ترشيحها للعديد من الجوائز الأدبية. وصفتها «الفاينانشيال تايمز» بأنها «الروائية الرائدة في تركيا». وفي أعمالها تسلط شافاق الضوء على مدينتها إسطنبول وتتناول الموضوعات الشرقية والغربية، وأدوار المرأة في المجتمع، وقضايا حقوق الإنسان.
رواد الحكاية
تميز الإنتاج القصصي التركي في أوائل القرن الماضي بخصائص المدرسة الرومانسية الفرنسية، كما هو عند أحمد مدحت أفندي (1844-1912)، ونحو تلك الفترة تبنت مجموعة من القاصين الفكر القومي بكل تجلياته الأدبية واللغوية، وعبرت بعض القصص عن واقع المجتمع التركي في نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين، وتناولت القضايا الإنسانية العامة، مثل قضية الحياة والموت، وعبثية الحياة، ومكابدة الإنسان خلال هذه الحياة، كما تناولت حياة الناس داخل المدن الكبرى وطموحاتهم الاجتماعية.
سعيد فائق عباسي (1906 – 1954) هو من الأسماء الأدبية البارزة، ويعد من أمهر القصاصين الأتراك، وأحد رواد الحكاية التركية الحديثة، وهو أحد المجددين في هذا المجال، تأثر عباسي بأندريه جيد، ولوتريامون، وجان جينيه، وبعد موته خصصت جائزة أدبية باسمه وقد منحت لأول مرة في 1955.
عائشة كولين ولدت في إسطنبول في 1944، وهي من أبرز الكاتبات التركيات، تميزت في القصة القصيرة وحازت العديد من الجوائز، وتعد إحدى الكاتبات الأكثر قراءة، في تركيا، وفي عام 1984 نشرت عائشة كولين مجموعتها القصصية «أدِر وجهك للشمس»، و«جوليزار»، وحازت جائزة «منحة قصة سعيد فائق» بسبب تأليفها للكتاب الذي يحمل الاسم نفسه.
وتتوالى الأسماء المبدعة بظهور مظفر إزجو (1933 – 2017) ونشر أول كتاباته سنة 1959 في صحيفة هورايدن، كما كتب قصصاً للأطفال ثم واصل الكتابة في صحيفة أزمير الديمقراطية حتى سنة 1964 وكان ينشر قصة كل أسبوع في إحدى زوايا الصحيفة، ثم بدأت المجلات والصحف تتسابق على نشر قصصه، انتقل بعدها لكتابة القصص الدرامية والتي كانت تبث على شبكات المذياع، وقد كتب عن المجتمع التركي وتميزت كتاباته بالسخرية والفكاهة، التي يحب الناس تداولها كحكايات شعبية.
مثّل إزجو تياراً ساخراً موازياً لتيار نيسين، وهناك خلدون طائر ومجموعته القصصية (الثانية عشرة إلا دقيقة)، وكمال بيلبشار (1910 1983)، وصولاً إلى سليم إلري، والأصوات النسائية المهمة (عدالت آغا أوغلو بيلغة قرة صو فورو ظان طومريس اويار ناظلي اراي).
وبين هؤلاء ينفرد خلدون طائر في قصته (الموت ضحكا) بتقديم قصة طويلة جداً تعنى برسم الحياة والطبيعة والنفس البشرية، من منظور مثقف، وبلغة أدبية عالية، وتتوالى الأسماء الأدبية التي أبدعت في مجال القصة القصيرة، حيث يبرز سليم أوغلو ببصمته الخاصة،وهو يوصف بمحاكاته للمشاعر الإنسانية، وهناك عدالت أوغلو التي تغوص في قصص الحب والدفء العائلي وجمال الحياة، وتستخدم أسلوباً تعبير خاصاً بها يغوص في عالم شخصياتها، وهناك سليم إلراي في قصته (آخر أيام الصداقة) الذي يقدم ما يشبه السيرة الذاتية.
جيل جديد
وتطول قائمة القاصين الأتراك مثل بكير ييلديز، الذي يستلهم موضوعاته من الأحياء الفقيرة في ديار بكر، ومن الجيل الجديد تبرز الكاتبة المميزة أيفر تونتش، ولدت في 1964، وحازت جوائز أدبية، بينها جائزة البلقان الدولية، وهي صوت جديد في عالم القصة التركية من حيث موضوعاتها وأسلوبها.. ومن قصصها (الغامض، أصدقاء الكهف، عزيز بك، الحجر الورق المقص) وغيرها.
انجي أرال كاتبة قصصية أصدرت: (وقت الشمع) 1980، و(صور كيران) 1983، و(الأرق) 1984، و(شتاء الحب فريد من نوعه) 1986، و(أربعين درجة في الظل) 3003، والنسيان 2008، وغيرها.
ومن رموز القصة التركية أيضاً بهجت تشيليك وهو من الكتاب الشباب، ولد في 1986 فاز بجائزة هالدون تاتر للقصة في عام، كما فاز بجائزة سعيد فائق للحكاية في عام 2008، وفاز بجائزة المكتبة الأكاديمية. نشر تشيليك (سقوط الثلج) في عام 2006 و(زفاف بيرهان ) 2004 و(مقتطفات باسم الإنسان والقرية) وحصل على جائزة سعيد فائق الرابعة والخمسين للحكاية عن كتابة رغبة في منتصف اليوم (2007) المتكون من 18 حكاية.
منعطفات
مرت التجربة الشعرية في تركيا بمنعطفات عدة، منذ سنوات الجمهورية، وما بعدها، كانت البدايات مع الشعر المقطعي الشعبي الخماسي، وصولاً إلى ناظم حكمت الشاعر التركي الأبرز (1902 – 1963) الذي طور ما سمي بالقصيدة الحرة، أو قصيدة النثر، كقصيدة (أحداق الجياع)، والتي أدخلت الشعر الحر إلى اللغة التركية لأول مرة.
كما ظهرت في أربعينات القرن الماضي حركة (غريب) وضمت أورهان فيلي كانيك (1914-1950)، ميليه جودت أنداي (1915-2002)، وأوكتاي رفعت (1914-1988)، واستلهموا جزئياً الشعراء الفرنسيين المعاصرين، مثل جاك بريفير، واستخدمو ليس فقط الشعر الحر فقط، كما هو حال ناظم حكمت، ولكن أيضا اللغة العامية، وكتبوا بشكل أساسي عن الموضوعات اليومية وتفاصيلها.
أما ناظم حكمت فقد تميزت قصائده بالبساطة والسحر، والتصقت قصائده بأشكال عدة، منها ما له صلة بالحكايا والموروث، وما له علاقة بالشعر الأوروبي الحديث، وقد حسب ناظم حكمت على الاتجاه الرومانسي، وترجمت قصائده إلى أكثر من 50 لغة وحصلت أعماله على العديد من الجوائز.
تبنّى ناظم حكمت الوزن الحر، متأثراً بالشعراء الروس، خاصة مايكوفسكي، وقد قام كثير الفنانين الأتراك بتلحين أشعاره.
وفي ثمانينات القرن الفائت ظهرت أسماء شعرية عدة، تميزت بقدرتها على ابتكار أساليب جديدة في اللغة والتقنية والموضوعات ومن هؤلاء شكرو أرباش الذي ولد في 1953 هو صوت خاص في التجربة الشعرية الحديثة ومن دواوينه (أوجاع صغيرة 1984، وسفر 1986، ونعيش في صمت 2016، أغاني قديمة 2012، مروحة 2015 وغيرها، وموضوعاته تدور حول الطبيعة وما فيها من دهشة وأسئلة حول الموت والحياة والخلود، وغيرها.
علامة فارقة
لا يمكن الحديث عن الأدب التركي من دون ذكر أوغوز أتاي (1934- 1977) وهو أحد رواد الحداثة في الأدب التركي بلا منازع، وأعماله خاصة الروائية جعلت الرواية التركية على تماس مع الرواية المعاصرة وأعطتها الكثير، يعترف بفضله كثير من مشاهير الأدب التركي اليوم، بينهم أورهان باموق. ظهرت أولى أعمال أوغوز وهي بعنوان (أولئك الذين لا يستطيعون الصمود) في 1971، وأتبعها برواية (ألعاب خطرة) في 1973، وترجمت الروايتان إلى لغات عدة، بينها الفرنسية والإنجليزية والألمانية، كان أتاي مثيراً للجدل بين النقاد، وحققت كتبه قوائم الأكثر مبيعاً في تركيا، روايته الأولى صنفت بالرواية الأكثر شهرة في الأدب التركي في القرن العشرين، بحسب دراسة استقصائية لليونيسكو، خاصة أنها شكلت تحدياً جاداً لأكثر المترجمين مهارة، من خلال مشهدها المتنوع للغة المحلية.
وإلى جانب الرواية كتب أوغوز أتاي في المسرح، وصدر له في القصة القصيرة (في انتظار الخوف) 1975، مع خاتمة وجيزة بقلم الروائي التركي أورهان باموق.