الشارقة: عثمان حسن

يعبّر التشكيل الإماراتي عن حالة متوهجة، فعلى مدار عقود طويلة تراكمت الرؤى والأطروحات على أيدي أجيال متعاقبة من الفنانين، الذين لم يدخروا جهداً في إشاعة مفاصل الجمال في اللوحة والمنحوتة..إلخ. وعبّر فنانونا عن الوطن ببيئاته المختلفة، ونهلوا من التراث بمختلف أشكاله، وانفتحوا على العصر ليواكبوا اتجاهات الفن في العالم، وانتجوا أعمالاً تخطف البصر، وتحاور الوجدان، وترتقي بالذائقة.

الفن التشكيلي في الإمارات، هو فن متجدد، والتجديد يحمل سمة التنوع، والتجديد في الحراك التشكيلي المحلي فرضته طبيعة الحياة المعاصرة، حيث تعتبر الإمارات من أوائل الدول التي انفتحت على ثقافات وفنون العالم، فمنذ أكثر من أربعين عاماً شهدت الدولة ملامح حركة فنية تشكيلية متطورة على نحو غير مسبوق في منطقة الخليج العربي، وكان هذا السبق متناغماً مع حركة ثقافية وفكرية مهجوسة بالتغيير وتلاقح الثقافات، ومسنودة بمجموعة من الخطط والبرامج والتوجهات التي تسعى لخلق مناخ ثقافي وفني عالمي.

بدأت هذه النهضة باحتضان المواهب الفنية، والعمل على ترسيخ بنى ثقافية وفنية تمثلت في تأسيس الدوائر والجمعيات والمتاحف المتخصصة لهذا الغرض، التي عملت على تنظيم المعارض واستضافة النخب الفنية العربية والعالمية في كل من العاصمة أبوظبي وفي دبي والشارقة.

وبمرور السنوات، صارت الإمارات من الدول المتقدمة التي تستضيف ملتقيات ومعارض فنية عالمية، وتسلط الضوء من خلال هذه المعارض والملتقيات على أبرز التوجهات والأفكار التي توجه مسارات الفنون البصرية العالمية.

وقد ترافق هذا كله مع توجهات فنية عديدة متناغمة مع الواقع الإماراتي المتغير من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، حيث باتت الحركة الفنية المحلية منفتحة على التجارب البصرية في المحيطين الإقليمي والعالم، كما ترافق أيضاً مع بروز أسماء فنية لامعة في المشهد التشكيلي الإماراتي ومن هؤلاء نذكر: الراحل حسن شريف، الدكتورة نجاة مكي، عبدالرحيم سالم، الدكتور محمد يوسف، عبد القادر الريس، عبيد سرور، علي العبدان، محمد القصاب، خليل عبد الواحد، محمد كاظم، حسين شريف، إبراهيم العوضي، عبدالله السعدي، محمد أحمد إبراهيم، سلمى المرّي، فاطمة لوتاه، كريمة الشوملي، ليلى جمعة.

خصوصية

ما يميز هذه القائمة الطويلة من الفنانين التشكيليين، هو أن لكل اسم من هؤلاء خصوصيته التي تميزه عن غيره، سواء في الأسلوب والتقنية والتوجه الفني والفكري.. وفي التفاصيل، كانت ثمة أسماء مؤثرة من جيل الفنانين المخضرمين، وهم معروفون على الساحة المحلية والعربية، ولاحقاً برزت أسماء أخرى لا تقل تميزاً وخصوصية، وفي التفاصيل أيضاً، فقد رسخت هذه الأسماء لقيم فنية باتت واضحة في المشهد الفني الإماراتي، فمن جهة، ظل بعض هؤلاء الرواد مخلصاً لقيم اللوحة الكلاسيكية أو ما يطلق عليها «المسندية» مع حفاظه على خصائص وسمات اللوحة كنظام وجسد متوازن ملتزم بالمعايير الجمالية والمثالية، إلى جانب تبني مفاهيم البساطة والواقعية، كما سعى آخرون، يقودهم الرائد حسن شريف، لتبني مفاهيم حداثية غربية، سواء لجهة المواد المستخدمة في تشكيل اللوحة، أو في تبني حركة فلسفية، ذات بعد مفاهيمي يركز في جوهره على الفكرة، الفكرة هنا، لها الأسبقية في الفن على أي عناصر جمالية أخرى، والحركة المفاهيمية نشأت في فترة الستينات، وكان الهدف منها انتقاد الحركة الحداثية.

هؤلاء الفنانون المخضرمون الذين قادوا مسيرة الفن التشكيلي الإماراتي في مساراتها الكلاسيكية والحداثية والمعاصرة، قدموا إنجازات لا حصر لها من حيث الرؤى والأساليب والتقنيات، وكان لكل واحد منهم بصمته الخاصة في مسيرة التشكيل المحلي والعربي.

تنوع

عود على بدء، فإن الركيزة الأساسية في المشهد التشكيلي الإماراتي، أنها ذات طبيعة متجددة، تقوم على التنويع والتجديد، وهي تستفيد من حركة الفن العالمي، بين الكلاسيكية والحداثية والمعاصرة، وهي في مسيرتها الصاعدة ذات خصائص متفردة راوحت بين الواقعية والتعبيرية والتجريدية، وفي شقها الآخر قدمت تجارب مدهشة بمنظور فني معاصر، وهي تختلف عن مثيلاتها العربية، في الخليج العربي، على أقل تقدير في سعيها لابتكار خصوصية فردية لكل فنان على حدة.

في المسار الأول من حركة التشكيل الإماراتية، نلمح بعضاً من خصوصية التجربة لدى الفنانين الأوائل، فتعبيرية اللون عند الدكتورة نجاة مكي، تجمع بين الخفة والدهشة والحيوية، أو كما يقول الفنان والناقد علي العبدان في كتابه «القرن الجديد، اتجاهات الفن التشكيلي في الإمارات بعد عام 2000»: لا يمنعها من إبداع لوحات مفعمة بالحيوية اللونية والتراكيب المدهشة، ود. مكي بارعة في صناعة لوحة بمشهدية غامضة وموحية في ذات الوقت.

أما محمد يوسف، فيستخدم عناصر من البيئة المحلية يربطها بمفاهيم الحركة والزمن، وغالباً ما تكون أعماله مستوحاة من البحر، حيث المراكب والأشرعة وكافة التفاصيل التي تعود به إلى مرحلة الطفولة، حيث يُعنى بتقديم تفاصيل نباتية في منحوتاته من الأغصان والأوراق وكتل الخشب وغيرها، ومنحوتاته وتراكيبه ذات طبيعة تأملية خالصة تحرض المشاهد على طرح الأسئلة الوجدانية والروحية في كافة أعماله.

رمز

ومن الأسماء المؤثرة في التشكيل الإماراتي، عبدالرحيم سالم صاحب الشخصية الشهيرة «مهيرة» التي بدأ برسمها منذ عام 1994، واستمرت معه كموضوع وفكرة ورمز يثير الجدل على الدوام، من خلال ما يقدمه من أعمال تجريدية، ولسالم ميزة خاصة في استخدام اللون، و«مهيرة» بالنسبة له هي قضية وفكرة حاضرة على الدوام، وهي بالتالي بمثابة «أيقونة» فنية تحرك عنده جدل الفكرة وإلحاح السؤال.

أما عبد القادر الريس فهو صاحب الانطباعية الهادئة التي تستشف ملامح التراث الإماراتي في عدد كبير من أعماله الفنية كالأبواب والنوافذ، وهو الذي تنقل بين الواقعية والانطباعية والتعبيرية التجريدية، وكذلك فاطمة لوتاه التي تتأرجح أعمالها بين الواقعية والتعبيريّة بمزيج ساحر وشفاف وبنزعة بصرية تحفز المشاهد على تأمل نصوصها البصرية.

تفاعلات

استطاعت الساحة الفنية الإماراتية أن تخلق بيئة جاذبة لمجمل تفاعلات الفن التشكيلي والبصري في الساحة العربية والدولية، بما فيها من تنويعات فنية وتحولات بين المفاهيم الكلاسيكية، وما تقترحه من تجارب ومشاريع تنتمي لقيم الفنون المعاصرة

اقرأ أيضاً

خطاب بصري جديد