القاهرة: مدحت صفوت
شهدت أواخر القرن العشرين طفرة عالمية في أدب الرعب أو الجريمة، تجسدت في النجاح الهائل الذي حققته سلسلة «هاري بوتر» للكاتبة ج.ك. رولينج. ومع اكتساب هذا النوع من الأدب زخماً عالمياً، نشأ سؤال حاسم في العالم العربي: هل يوجد ما يعادل ذلك الأدب حقاً؟ في حين أن مصطلح «أدب الرعب» مقبول على نطاق واسع في الدوائر الأدبية الغربية، فإن نظيره العربي كان موضوعاً للكثير من النقاش. ومن ثمّ يصبح من المهم دراسة وضعية كتابات الرعب العربية، ولماذا تغيب في السنوات الأخيرة؟
على الرغم من تأثر كُتّاب أدب الرعب والجريمة العربي بالاتجاهات الغربية، فإنه نجح في تكوين هوية مميزة. إذ يعكس السياق الاجتماعي والثقافي والسياسي والتاريخي المميز للمنطقة. وفي حين أعاقت تحديات مثل الرقابة والسوق المحدودة نموه، فإن مرونة المؤلفين العرب والطلب المتزايد على المحتوى القابل للتواصل قد ضمنا بقاءه وتطوره، وإن تراجع وغاب في السنوات القليلة الماضية، ومع استمرار تطور العالم العربي، ستتطور الكتابات الأدبية أيضاً، حيث يقدم وجهات نظر جديدة ويتفاعل مع تجارب جيل جديد من القراء.
وبدايةً، أدب الرعب نوع من الخيال التأملي الذي يهدف إلى «إزعاج القارئ أو تخويفه أو إصابته بالرعب»، بحسب التعريفات الأكاديمية الغربية، وغالباً ما ينقسم إلى نوعين فرعيين هما: الرعب النفسي والرعب الخارق للطبيعة، اللذان يقعان ضمن نطاق الخيال التأملي. وحدد المؤرخ الأدبي جيه إيه كادون، في عام 1984، قصة الرعب بأنها «قطعة أدبية نثرية متغيرة الطول، تصدم أو حتى تخيف القارئ»، ويهدف هذا النوع إلى خلق جو مخيف ومثير للرهبة للقارئ، وغالباً ما يمكن تفسير التهديد المركزي في عمل أدب الرعب على أنه استعارة لمخاوف أكبر في المجتمع.
بدايات تاريخية
ويمكن التوقف تاريخياً أمام أصول وبدايات كتابات الرعب وأدب الجريمة في تاريخ الكتابات الإنسانية، إذ يعود أصل نوع الرعب إلى العصور القديمة، حيث كانت جذوره في الفولكلور والتقاليد الدينية التي تركز على الموت والحياة الآخرة والشر والشيطان. وقد تجلى هذا في قصص عن كائنات مثل الشياطين ومصاصي الدماء وذئاب ضارية وأشباح. وترسخت قصص الرعب الأوروبية من خلال أعمال الإغريق والرومان القدماء. وتأثرت رواية ماري شيلي الشهيرة عن فرانكنشتاين عام 1818 بشكل كبير بقصة هيبوليتوس، الذي أحياه أسكليبيوس من الموت. وكتب يوربيديس مسرحيات مبنية على القصة، هيبوليتوس كاليبتومينوس وهيبوليتوس.
في كتاب بلوتارخ «حياة النبلاء الإغريق والرومان»، يصف المؤلف روح القاتل دامون، الذي قُتل هو نفسه بحمام في خيرونيا.
ويروي بلينيوس الأصغر في النصف الثاني من القرن الأول الميلادي، قصة أثينودوروس الكنعاني الذي اشترى منزلاً مسكوناً في أثينا. كان أثينودوروس حذراً لأن المنزل بدا غير مكلف. أثناء كتابة كتاب عن الفلسفة، وزاره شبح مقيد بالسلاسل. قبل أن يختفي الشبح في الفناء، في اليوم التالي، حفر القضاة في الفناء ووجدوا قبراً غير مميز. وبعد عام 1000، جرى النظر إلى ساحرة بيركلي من تأليف ويليام مالميسبري على أنها قصة رعب مبكرة.
وفي القرن الثامن عشر بدأ تطور تدريجي للرومانسية ونوع الرعب القوطي. واستمدت من التراث المكتوب والمادي في أواخر العصور الوسطى، ووجدت شكلها مع رواية الإنجليزي هوراس ولبول المثيرة للجدل عام 1764، «قلعة أوترانتو». ثم ازدهر التقليد القوطي في القرن التاسع عشر ليتحول إلى النوع الذي يطلق عليه القراء المعاصرون اليوم أدب الرعب. وشهدت الأعمال والشخصيات المؤثرة نشأتها في رواية «هانسل وجريتل» للأخوين جريم 1812، و«مصاص الدماء» لجون بوليدوري 1819، و«ميلوث المتجول» لتشارلز ماتورين 1820، و«أسطورة سليبي هولو» لواشنطن إيرفينج 1820، و«أحدب نوتردام» لفيكتور هوجو 1831.
أما في القرن العشرين، فقد أدى انتشار الدوريات الرخيصة إلى طفرة في كتابة الرعب. على سبيل المثال، نشر جاستون لورو روايته Le Fantôme de l›Opéra على شكل حلقات قبل أن تصبح رواية في عام 1910. وكان تود روبنز أحد الكُتّاب الذين تخصصوا في قصص الرعب للكتب الشعبية السائدة، مثل مجلة All-Story، وتتناول قصصه موضوعات الجنون. وفي روسيا، روّج الكاتب ألكسندر بيلييف مثل هذه الموضوعات في قصته Professor Dowell›s Head، إذ يجري طبيب مجنون عمليات زرع رأس تجريبية وإعادة إنعاش على جثث مسروقة من المشرحة والتي نُشرت لأول مرة كمسلسل مجلة قبل تحويلها إلى رواية.
كذلك ساهمت صحافة الإثارة في ذيوع قصص وحكايات ال«قتلة»، ما صبّ في استدامة الظاهرة. واستمر الاتجاه في فترة ما بعد الحرب، وتجدد جزئياً بعد جرائم القتل التي ارتكبها إد جين. في عام 195 كتب روبرت بلوخ، مستوحى من جرائم القتل، رواية Psycho. كما أثرت الجرائم التي ارتكبتها عائلة مانسون في عام 1969 على موضوع الرعب في الكتابات الأدبية في السبعينات. وفي عام 1981، إذافة إلى توماس هاريس ورواية التنين الأحمر، التي قدم فيها الدكتور هانيبال ليكتر.
دور السينما
من جهة أخرى، لا يمكن إنكار دور السينما المبكرة في استلهام العديد من جوانب أدب الرعب، وبدأ تقليداً قوياً لأفلام الرعب والأنواع الفرعية التي استمرت حتى يومنا هذا. حتى التصوير الرسومي للعنف والدماء على الشاشة المرتبط عادةً بأفلام الرعب والأفلام التي تصور مشاهد دماء متناثرة في الستينات والسبعينات، كانت الكتب المصورة مثل تلك التي نشرتها شركة إي سي كوميكس، وأبرزها «حكايات من القبو» في الخمسينات من القرن الماضي، تلبي رغبات القراء في الحصول على صور رعب لم تستطع الشاشة الفضية تقديمها. وجعلت هذه الصور هذه القصص المصورة مثيرة للجدل، ونتيجة لذلك، كانت تخضع للرقابة على نحو متكرر.
وفي العقود الأخيرة، ترتبط سلاسل الكتب الأكثر مبيعاً بالأنواع المرتبطة بأدب الرعب، مثل روايات المستذئبين الخيالية الحضرية Kitty Norville من تأليف كاري فون، منذ 2005 فصاعداً. وتستمر عناصر الرعب في التوسع خارج هذا النوع كما في رواية The Terror لدان سيمونز عام 2007، والتي توجد على أرفف المكتبات حتى يومنا، بجانب «Hellboy» لمايك ميجنولا.
بالإضافة إلى ذلك، تستخدم العديد من الأفلام الموجهة للجمهور من فئة الشباب أو المراهقين، وخاصة الرسوم المتحركة، جماليات الرعب وتقاليده الإبداعية، وعلى الرغم من أنه من غير المعروف على وجه اليقين سبب استمتاع المراهقين بهذه الأفلام، لأنها تبدو غير بديهية، فمن المفترض أن الوحوش الغريبة هي التي تسحر الأطفال جزئياً. وعلى نحو غير مباشر، فإن التأثير الداخلي لبرامج وأفلام الرعب التلفزيونية على الأطفال غير مدروس بشكل كافٍ، خاصة عند مقارنته بالبحث الذي تم إجراؤه حول موضوع مماثل للعنف في التلفزيون وتأثير الأفلام في عقول الشباب. والقليل من الأبحاث الموجودة تميل إلى أن تكون غير حاسمة بشأن التأثير الذي تحدثه مشاهدة مثل هذه الوسائط.
العراب
عربياً، يحلّ اسم الدكتور أحمد خالد توفيق أبرز أعمدة أدب الرعب العربي المعاصر، والملقب من قِبل أنصاره ب«العراب»، ويرون أنه ترك بصمة لا تُمحى في قلوب القراء والكتاب على حدٍ سواء. إذ كان أكثر من مجرد كاتب، فهو مؤثر حقيقي، وشقّ طريقاً جديداً في الأدب العربي، خاصة في مجال الخيال العلمي والرعب.
وفعلياً، برع توفيق، الذي رحل في إبريل/نيسان 2018، في تقديم باقة متنوعة من الأجناس الأدبية، من الخيال العلمي إلى الفانتازيا، والرعب، والسخرية. ومثلت شخصية «رفعت إسماعيل» في سلسلة «ما وراء الطبيعة» أيقونة لأدب الرعب الخارق، حيث تجسد شخصية العجوز البسيط الذي يواجه مخلوقات خارقة بطريقة واقعية ومقنعة.
وكان لتوفيق دور محوري في تشكيل جيل جديد من الكتاب العرب، أسماء لامعة مثل أحمد مراد وأحمد خالد مصطفى، كما فتح أبواباً جديدة أمام الكتابة العربية، وشجع الكثيرين على استكشاف عوالم الخيال والإثارة، خاصة وأن كتاباته تميزت ببساطتها وسلاسة أسلوبها، مما جعلها قريبة من القراء من مختلف الأعمار.
نافذة
أما سبب غياب أدب الرعب مؤخراً، فتعتبر روايات الجريمة والرعب نافذة على عوالم خيالية واسعة، تجذب القراء وتثير خيالهم، ورغم الشعبية الهائلة التي يحظى بها هذا النوع من الأدب في العالم، فإنه يواجه تحديات كبيرة في العالم العربي. وتفسيراً لذلك لا بد من الأخذ في الاعتبار، أن تفسير انتشار أو غياب أي ظاهرة ثقافية أو فنية، فإن مردها لسبب واحد، هو اتجاه غير علمي لتفسير الظواهر، ويشدد التفكير العلمي على عدم وجود سبب أحادي «وحيد» لأي ظاهرة، فأي حدث/حادثة تتسبب فيها جملة من العوامل المتداخلة داخل سياق معين ومرتهن بشروط محددة، اجتماعياً.
في السعودية مثلاً، يبحث الكاتب ياسر باعامر في جريدة «الوطن» عن تراجع واقع أدب الجريمة في المملكة، وأسباب قلة الإنتاج في هذا المجال، إذ يمكن حصر عدد الروائيين السعوديين الذين يكتبون في أدب الفانتازيا والرعب على أصابع اليد الواحدة، ومن أبرز هؤلاء أسامة مسلم بروايته «خوف» وعبيد خلف بروايتي «النسل» و«رجفة الخوف»، فيما يفسر البعض هذه القلة ب«التركيز التقليدي على الرواية الواقعية في الأندية الأدبية، وعدم وجود بيئة محفزة للإبداع في أدب الخيال».
وفي رأينا، يمكن أن تعدد أسباباً متعددة لهذا التراجع، أبرزها النقد الجائر الذي تتعرض له كتابات أدب الرعب، ويرجع ذلك إلى سببَين رئيسيين. الأول هو ضعف بعض الأعمال في بناء السرد، حيث تركز على الأحداث بشكل مبالغ فيه على حساب بناء الشخصيات وعناصر الزمان والمكان، أما السبب الثاني فهو النظرة الدونية التي يحملها بعض النقاد تجاه هذا النوع الأدبي، معتبرين إياه أدباً ترفيهياً سطحياً لا يستحق الدراسة النقدية الجادة، متجاهلين بذلك قدرته على طرح قضايا عميقة واستكشاف أعماق النفس البشرية.
ويتجاهل أغلب النقاد كتابات الجريمة، إذ يخشون من أن تحليل أعمال الرعب والجريمة سيجعلهم يبدون وكأنهم يركزون على الجوانب السطحية للأدب، مثل العنف والرعب، ويتجاهلون الجوانب الفنية والمعنوية، كذلك لا يوجد في العالم العربي عدد كبير من النقاد المتخصصين في أدب الرعب والجريمة، مما يجعل من الصعب إجراء دراسات نقدية متعمقة في هذا المجال، فضلاً عن تأثر النقد العربي بالتقاليد الأدبية الكلاسيكية، والتي غالباً ما تركز على الأنواع الأدبية التقليدية مثل الشعر والرواية الواقعية، والميل إلى التركيز على الأدب الذي يعبر عن الهوية الوطنية والقضايا الاجتماعية.
ظاهرة تستحق التوقف
بجانب ما سبق، تغيب الجوائز الأدبية المتخصصة في أدب الجريمة عربياً، حتى يمكن أن نعدها ظاهرة تستحق التوقف عندها. فبالرغم من وجود قاعدة قراء واسعة لهذا النوع الأدبي، فإننا نجد أن الجوائز تركز بشكل أكبر على أنواع أدبية أخرى كالشعر والرواية التقليدية، كما تغيب المؤسسات الثقافية والجمعيات الأدبية المهتمة بتطوير أدب الجريمة وتقديم الدعم المادي والمعنوي للكُتّاب.
بينما غربياً يشهد أدب الرعب اهتماماً متزايداً بالجوائز التي تكرم أبرز الأعمال والكُتّاب في هذا المجال. من أبرز هذه الجوائز «جوائز برام ستوكر» التي تمنحها جمعية كُتّاب الرعب، والتي سميت تيمناً بمؤلف رواية دراكولا الشهيرة. وتشمل الجوائز الأخرى «جوائز الظلال الأسترالية» و«جوائز شيرلي جاكسون» اللتين تكرمان الإنجازات المتميزة في أدب الرعب والتشويق النفسي. كما يتم تضمين أدب الرعب ضمن فئات عديدة في جوائز عامة مثل «أورياليس».