الشارقة: علاء الدين محمود

جدل كبير في العالم العربي حول أدب الجريمة والرعب والمغامرات، على الرغم من أنه يجد قبولاً وسط الجيل الجديد واليافعين، بل ودائماً ما يلقى الكاتب العربي الذي يبرز في هذا الميدان اهتماماً خاصاً من قبل شرائح واسعة في المجتمع العربي، حيث إن الكثيرين تربوا على مثل هذا النوع من السرديات في أزمنة الطفولة والمراهقة، بدءاً من حكايات الجدات التي تشتمل على عوالم الأساطير والخرافات، وكذلك قصص الأطفال المطبوعة التي تحمل طابع المغامرات، لكن الملاحظ أن قلة من تلك الأعمال تراعي شروط السرد الاحترافي.
إذا كانت الروايات البوليسية وأدب الرعب والمغامرة تجد القبول الأكبر في السابق لدى فئات عمرية معينة مثل المراهقين واليافعين، فإن روح العصر الحالي التي تتسم بالقلق والخوف والوحدة، بل والاضطراب النفسي والتشظي، وغياب الثقة في الذات، أنتجت جمهوراً جديداً لتلك الأعمال السردية، ولعل ما عزز ذلك الأمر انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، وسيادة ثقافة أخبار الجريمة والفضائح، وهو الأمر الذي شكل عاملاً جديداً يضاف إلى تفضيلات الناس لهذا النوع من الأدب.
وهناك قلة من الكتاب في العالم العربي، هم الذين تخصصوا في هذا النمط السردي، بينما ظهرت في الوقت الراهن مجموعات من الأجيال الشابة العربية التي تحاول أن تكتب أدب الجريمة بذات الأساليب والتقنيات بل وتدور في البيئة الغربية، وفيهم من يكتب من أجل الكسب السريع، حيث إن العديد من دور النشر ترحب بمثل هذه الأعمال أو المحاولات السردية لما تحققه من مبيعات، وهو أمر يشير إلى أن هذا النوع من الأدب ربما لايزال في بداياته، حيث يندر وجود روايات أو قصص عربية خالصة من حيث البيئة والأسلوب، على الرغم من أن التراث العربي يزخر بتلك الحكايات، كما أن بعض الرواد وضعوا لبنات يمكن البناء عليها، ولئن بدأت تظهر بعض الأقلام هنا وهناك، مثل المصري خالد أحمد توفيق الذي كتب عشرات الروايات، حتى لقب ب«عراب»، أدب الرعب.
والمشكلة تكمن في أن الكثير من الكتاب والنقاد والمثقفين العرب، لا يتعاملون مع أدب الرعب والجريمة بصورة جادة، بل إن بعضهم يخرجه من فئة الكتابة الإبداعية.
سرد الشر
في الإمارات صدرت بعض الأعمال الروائية التي تستند إلى ثيمات الرعب والغموض كنوع من التجريب والبحث عن مناطق سردية جديدة ومختلفة، لكن البعض لايزال مصمماً على موقفه السلبي تجاه هذا النوع من الإبداع، وربما ذلك ما شكل حجاباً ضد النظر بجدية تجاه سرد الجريمة والرعب، على الرغم من وجوده، ربما ليس بصورة كبيرة في الكتابات العربية، لكنه بشكل أو آخر موجود، ربما بصورة خجولة، فقد ظهرت الرواية البوليسية في الإمارات في وقت باكر، وتحديداً في السبعينات من القرن الماضي، حيث كتب عبد الله محمد عيسى الناوري العلي «1959 – 2021»، وهو روائي وضابط شرطة إماراتي، أول رواية بوليسية بعنوان «عنق يبحث عن عقد» نشرها سنة 1978، لتظهر بعدها بعض الأعمال، خاصة في الوقت الراهن، وعدد من الأفلام، ، وأديرت نقاشات تحت مسميات متعددة مثل: «حكايات رعب إماراتية»، و«سرد الشر».
الكتاب والنقاد الذين تحدثوا إلى «الخليج»، ساد بينهم شبه إجماع على أن أدب الجريمة والرعب، لايزال خجولاً في العالم العربي، وربما لا يجد جمهوراً كبيراً إلا من قبل فئات معينة، وفيهم من وجد أن هناك إقبالاً على هذه الأشكال السردية لكونها تلبي احتياجات نفسية، وأن الإنسان يميل نحو كشف أسرار المبهم والغامض.
قواعد
«لا أميل نحو هذا النوع من الكتابة»، هكذا تحدث الكاتب والقاص، محسن سليمان، عن مؤلفات الرعب والجريمة، والملاحظ أنه لم يطلق وصف الأدب على تلك الأشكال السردية، فهو يرى أنها كتابات مغايرة لما أسماه «الأدب الحقيقي»، ذلك الذي ينهض بشروط إبداعية وجمالية معينة، وتقنيات وأساليب محددة، بما يشكل «مثالاً»، للكتابة الأدبية.
ويشير سليمان إلى أن معظم الذين كتبوا عن الجريمة سواء في الخليج أو الإمارات، أو ربما حتى العالم العربي، لهم علاقة خاصة أو مهنية بذلك المجال، موضحاً أنه قد حكم من قبل في مسابقة، ضمن أنشطة اتحاد الكتاب، عن القصة البوليسية، وكان لدى المشاركين مخزون كبير من السرديات والحكايات عن الجرائم، وذلك الأمر ينطبق على هذا الشكل من الكتابة في العديد من دول الخليج والعالم العربي.
وعلى الرغم من أن سليمان، يقر بأن هناك انتشاراً ما لقصص الرعب والجريمة والخرافة في العالم العربي، خاصة وسط الشباب، لكن الأدب الحقيقي دائماً ما يهتم بأشياء معينة مثل اللغة، والقدرة على السرد، وجماليات الكتابة، وصناعة الحبكة، وبناء الحبكة، وصناعة الشخوص، والاهتمام الإبداعي بالوصف، وطرح موضوع وقضية ومعنى.
وذكر سليمان أن الكتابة في مجال الرعب، على الرغم من كونها تنطوي على متعة معينة، وتهتم بالإثارة، لكن، في معظمها تظل فقيرة على المستوى الفني، وذلك الأمر ينطبق حتى على روايات عالمية كثيرة، تجد فيها بعض الضعف الفني، الذي يتوارى في الغالب خلف الخبرة في الكتابة وخلق مساحات واسعة للإثارة.
وأوضح سليمان أن بعض الكتابات العربية في هذا المجال، نجحت لأنها لم تعتمد على عناصر التشويق فقط، ذلك لأن معظم المؤلفين قدموا من الصحافة، ولهم خبرة في تقنيات الكتابة، ومخزون من القصص والأحداث والمشاهد.
ولفت سليمان إلى نقطة مهمة عندما ذكر أن الذي يجد رواجاً أكبر من القصص والروايات، هو الأفلام المتخصصة في الرعب والجريمة، ذلك لأن المشاهدة تختلف كثيراً، حيث تعتمد في صنع الحكاية البوليسية أو المرعبة على الصورة والمؤثرات والتقنيات السينمائية.
فنتازيا
الكاتب علي سيف المنصوري، هو صاحب تجارب سردية في أدب الرعب، منها روايته الشهيرة «أشباح في الفجيرة»، التي وجدت صدى جيداً، ويشير المنصوري، إلى أن عوالم الغموض والفنتازيا والرعب والجريمة، لها متعة خاصة، وتجد إقبالاً من الكثيرين في العالم العربي، وأنه حاول أن يشق طريقاً مختلفاً يحتفي بالفكرة والموضوع، ويجمع بين الفنتازيا والواقع أو الحقيقة.
وأوضح المنصوري، أن هذه الأنماط الأدبية باتت تلقى رواجاً واسعاً في دول الخليج تحديداً، وهناك الكثير في المؤلفات في الكويت والإمارات، كما توجد دور نشر متخصصة في الرواية البوليسية وأدب الرعب والخيال العلمي، وهي تستجيب لأذواق معينة.
وذكر المنصوري أنه عندما كتب «أشباح في الفجيرة»، أراد لها أن تخرج بصورة مختلفة، بحيث تتفادى منطقة الخرافات وتشتمل على بعض الرعب، وذلك من أجل أن تكون الحبكة واقعية، إلى جانب الاهتمام بالغموض وبعض الغرائبيات مع لمحة رومانسية.
ولفت المنصوري إلى أن ظهور هذا النوع من الأدب هو نتاج البحث عن مناطق سردية جديدة، أو مختلفة، وهي تلبي رغبة بعض القراء، فالإنسان يحتفي بما هو غريب وخارق للعادة، لذلك تستهويه الحكايات التي تتضمن ثيمات الرعب والخوف، غير أن من المهم أن يتم توظيف كل ذلك في خدمة المعنى والمضمون داخل الرواية.
وأكد المنصوري على أهمية أن يراعي الكاتب في مجال رواية الرعب العديد من التقنيات السردية، حيث إن الكتابة في هذا المجال فيها الكثير من الصعوبة، خاصة في ما يتعلق ببناء الشخصية الشريرة، فهي معقدة ومركبة.
بدايات
الكاتب محمد الحمادي، هو الآخر، خاض تجربة كتابة الرواية البوليسية والتي تنطوي على الرعب، مثل مؤلفه السردي الذي جاء بعنوان: «قاتل في ضواحي العاصمة»، وهو يرى أن هذا الأدب لا يزال في بداياته في العالم العربي، لكنه يحظى بجمهور كبير، ليس فقط من قبل اليافعين، كما أن هناك انتشاراً واسعاً لأفلام «الزومبي»، والغموض، وأن هنالك دولاً عربية صارت تهتم بشكل كبير بهذا السرد مثل الكويت، وهناك دور نشر مثل: «بلاتينيوم»، المتخصصة في الجريمة والرعب.
وذكر الحمادي أنه قام بتأليف خمس روايات حتى الآن جميعها بثيمات الرعب والغموض، ووجدت صدى جيداً، وهو يعمل على كتابة رواية جديدة حول ذات العوالم بعنوان «النحلة»، تسافر في أزمنة عربية قديمة في مصر وشبه الجزيرة العربية.
وأوضح الحمادي أن الكتابة في هذا المجال، تتطلب الكثير من الأشياء وعلى رأسها الخيال الجامح الذي لا يعرف الحدود، وربما ذلك ما يفسر وجود قلة من الكتاب العرب في هذا التخصص الأدبي.
ونقل الحمادي الحديث إلى نقطة مهمة، عندما، أشار إلى أن أدب الخيال العلمي والغموض والجريمة والرعب، لا يتم التعامل معه بصورة جادة من قبل المجتمع الأدبي والنقدي في العالم العربي، ربما لأنه لا يزال جديداًَ، غير أن هذا الأمر يؤكد على أن المشكلة ليست في هذا النمط الأدبي، بقدر ما أنها في النقد نفسه، فالنقد ليس متطوراً في العالم العربي، ويجب أن يواكب حركة السرد والرواية، ويقف على الجديد فيها.
لغط
ومن حيث انتهى الحمادي، كانت نقطة البداية في حديث الناقدة مريم الهامشي، فعندما سألتها عن أدب الجريمة والرعب في العالم العربي، أجابت بضحكة صغيرة، وقبل أن تمضي مؤكدة أنهم كنقاد متهمون بعدم الاهتمام بهذا الشكل الأدبي، رغم أنه يحظى بجمهور، ولفتت إلى أن هناك بالفعل لغطاً كبيراً على مستوى المصطلح بين السرد البوليسي، والأدب السوداوي المتأثر بكتابات الروس وأدب الخيال العلمي، فهناك تقاطعات بين هذه العوالم والأشكال الأدبية، أي أن معظم ما يكتب في العالم العربي في مجال أدب الرعب والجريمة تختلط فيه التصنيفات وتتمازج، فيأتي تارة على شكل أدب الجريمة، وأخرى يكون قريباً من الفانتازيا، وهكذا بحيث تغيب الصورة الواضحة في تصنيف العمل الروائي، هل يعتمد على الرعب أم قصة جريمة أم خيال علمي، أم غموض؟
وذكرت مريم الهاشمي، أن في الإمارات، مثلاً، بعض الاهتمام بأدب الجريمة، والرعب، وجرت مسابقة في هذا المجال، غير أنه لا يوجد اتجاه كبير نحو هذا النوع من الأدب لأنه لا يعبر عن المجتمع، حيث إن مهمة الأدب هي التعبير عن البيئة، وذلك ينطبق على العالم العربي، حيث إن هناك أسماء بسيطة تخصصت في هذا المجال، وهو لا يلقى إقبالاً واسعاً من القراء العرب، إلا وسط فئات عمرية معينة.
وأوضحت الهاشمي أن الحديث عن مواكبة النقاد، هو أمر مجحف، حيث إن المشتغلين في النقد ظلوا مواكبين لكل التطورات في الساحة الإبداعية العربية، وكل ما يكتب في مجال الرعب والجريمة لكن حقيقة أن تلك الكتابات يغيب عنها الكثير وعلى رأس ذلك «الأسلوب السردي»، ومما يدل على ذلك أن الأدب المترجم، في هذا المجال، يجد إقبالاً أكبر.