القاهرة: مدحت صفوت
لطالما كانت الطيور جزءاً لا يتجزأ من حياة الإنسان، وتركت بصمة عميقة في الثقافات العالمية والعربية على مر العصور، فهي أكثر من مجرد كائنات حية تطير في السماء، بل هي رموز تحمل معاني ودلالات متنوعة، وتلعب أدواراً مهمة في الأساطير والأدب والفنون والحياة اليومية.
وتتبع علاقة الطيور بالثقافات العالمية مسألة تتطلب تحقيقاً وجمعاً بين مداخل معرفية عدّة، تتمثل في التاريخ ودراسة الأساطير والفنون والآداب، فضلاً عن مجال دراسة العادات والتقاليد، خاصة أن الدراسات العلمية تشير إلى قدم وجود الطيور على كوكب الأرض، ويعود ظهورها إلى العصر الجوراسي، أي منذ 140 إلى 170 مليون سنة.
وعلى نحو عام حلّت الطيور في إطار رمزي داخل الثقافات القديمة، وارتبطت بآلهة مختلفة في الحضارات القديمة. فمثلاً، كانت الحمامة رمزاً للسلام والمحبة، بينما كان النسر يرمز للقوة والشجاعة في الحضارات المصرية القديمة والبابلية، كما استخدم المصريون الصقر للإشارة إلى الإله حورس الذي كان يرمز للقوة والشجاعة، بينما كان طائر البنو يمثل إله الخلق أتوم. وقدسوا هذه الطيور وأقاموا لها المعابد وأدوا لها القرابين، اعتقاداً منهم بأنها وسيلة للتواصل مع العالم الآخر. في ما اعتقد الكثير من الشعوب أن الطيور رسل الآلهة، تحمل رسائل مهمة بين السماء والأرض. وفي بعض الثقافات، كانت الطيور تعتبر أرواح الأجداد التي تأتي لزيارة أحبائها.
تعدد
في التراث العربي، ثمة مؤلفات مهمة تتناول حياة الحيوانات عموماً، أبرزها وأشهرها كتاب «الحيوان» للجاحظ، و«حياة الحيوان» للدميري. وعنيت اللغة العربية بأسماء الطيور، وترى الدراسات اللغوية في هذا الجانب أن تعدد الأسماء جاء إما لإطلاق العرب اسماً للطير لصفة أو صوت أو للون، فالهدهد لصوته، والدراج لصفته «يدرج»، والزُرق للونه الأزرق، الأمر الذي دفع اللغويين إلى التوقف أمام الأسماء في التراث العربي من كتب الأدب واللغة والشعر، وتفسير اختلاف اللهجات والبلدان في التسمية، من دون إغفال أن الكتب العربية دأبت على النقل من بعضها، والنقل مشافهة من بعض الحضر والبدو والخاصة والعامة، كذلك نقل المقولات القديمة وتدوينها دون تحقيق أو تأكد أحياناً.
في موسوعته الشهيرة «الحيوان» خصص الجاحظ قسماً كاملاً لدراسة الحمام. فبعد أن قدم هذا الطير كرمز للحب والسلام، دخل في تفاصيل واسعة عن أنواعه وخصائصه وسلوكه. وتناوله من زوايا متعددة، فاستعرض شعراً وأمثالاً وحكايات شعبية مرتبطة بالطير، وقدم معلومات علمية دقيقة عن تربيته وتدريبه. كما قارن بين الحمام والطيور الأخرى، واستخلص دروساً في الأخلاق من سلوك الحمام. وبأسلوبه الممتع، يقدم الجاحظ صورة شاملة عن مكانة الحمام في الثقافة العربية، ويثري المعرفة بالحيوان وعالم الطبيعة.
أما الدميري فقد خصص قسماً كبيراً للطير في سفره «حياة الحيوان الكبرى»، إلى الحد الذي جعل الباحثين يتوقفون في العصر الحديث أمام هذا الجهد، أبرزهم عزيز العلي العزي الذي ألف كتاباً عن «الطير في حياة الحيوان» في العام 1986.
وعلى المستوى الرمزي، يحل كتاب «كليلة ودمنة» لابن المقفع، والذي يعد مرآة تعكس تداخل الحضارات المختلفة. إنه درة التراث الإنساني، وأحد أفضل كتب الأدب التي تخطت أطر المكان وحدود الزمان، عمل أدبي لافت، ولد في الهند وترعرع في فارس قبل أن يستقر في أرض العرب، وترك بصمة واضحة على الثقافة العربية والإسلامية. فهو ليس مجرد مجموعة من الحكايات، بل دليل للحياة، يقدم لنا دروساً في الأخلاق والحكمة والسياسة، ويعد مرجعاً للأجيال المتعاقبة.
منطق
الحديث عن الطيور في الثقافات يستلزم بالضرورة التعريج على كتاب «منطق الطير»، وهو عمل صوفي رمزي لفريد الدين العطار، يتناول رحلة مجموعة من الطيور، بحثاً عن الطائر الأسطوري «السيمرغ» الذي يرمز إلى الكمال الإلهي. وتبدأ القصة بجمع مجموعة من الطيور وتعيين الهدهد مرشداً لها في رحلتها الطويلة والشاقة. ومع تقدم الرحلة، يبدأ كل طائر بالاعتذار عن الاستمرار، متذرعاً بأسباب شخصية ومادية تعيقه عن مواصلة السير. يمثل كل عذر من هذه الأعذار عائقاً نفسياً أو روحانياً يواجه السالكين على طريق الكمال.
تتخلل الكتاب حكايات رمزية، أشهرها حكاية الشيخ صنعان، التي تبرز مغبة الانجراف وراء الشهوات الدنيوية وتؤكد أهمية الصبر والثبات على الطريق الصحيح. في النهاية، تصل الطيور إلى جبل قاف، حيث تعثر على السيمرغ، والذي يمثل صورة لها جميعاً.
ببساطة، «منطق الطير» رحلة رمزية للروح البشرية في سعيها للكمال، حيث ترمز الطيور إلى السالكين، والطير يمثل الهدف النهائي لهذه الرحلة، حاملاً رسائل عدة أهمها إلزام السالك أن يصبر على الصعاب والتحديات التي تواجهه، ويجب على الإنسان أن يتخلص من الأنا والشهوات الدنيوية، وكل فرد جزء من الكل.
دلالات مختلفة
في الثقافة الغربية، تتنوع علاقة الأفراد بالطيور من أغاني الأطفال Mother Goose إلى أغنية Black bird لفرقة البيتلز، وحظيت بمكانة خاصة في الثقافة الغربية، حيث ارتبطت بمعانٍ عميقة ورمزية متنوعة. وتجلت هذه الرمزية في مجالات عدّة، وتنوعت من ثقافة إلى أخرى ومن عصر إلى آخر.
ففي الثقافة الإغريقية والرومانية، ارتبطت بالآلهة مثل النسر الذي كان رمزاً للإله زيوس عند الإغريق، والحمامة التي كانت رمزاً للإلهة فينوس. وقد رُمز للطيور بالحرية والروح بسبب قدرتها على التحليق في السماء. وفي المسيحية مثل الحمام روح القدس، واستخدم العندليب كرمز إلى الحزن والتوبة. بينما ارتبطت البومة بمعانٍ سلبية مثل الحكمة الشريرة والسحر، لكنها في العصور الوسطى أصبحت رمزاً للحكمة والمعرفة.
وظهرت في العديد من الأعمال الفنية طيور متنوعة، مثل لوحات عصر النهضة التي تصور مريم العذراء وهي تحمل حمامة، ونحت التماثيل التي تصور الطيور كرمز للحرية، كذلك صورت في الفنون البصرية منذ العصور القديمة، سواء كانت رسومات على جدران الكهوف أو منحوتات معقدة. وتوجد العديد من الحكايات الشعبية التي تتحدث عن الطيور، مثل حكاية «البجع البري» التي ترمز إلى التحول والتغيير، ولعبت أدواراً مهمة في الحبكة وتطوير الشخصيات، فضلاً عن العديد من الأمثال التي تستخدم الطيور للتعبير عن معانٍ مختلفة.
مصدر إلهام
ولطالما كانت الطيور مصدر إلهام للموسيقيين عبر العصور، فصوتها الرنان وحركاتها الرشيقة قد أثرت بشكل كبير في تكوين العديد من الأعمال الموسيقية، خاصة السيمفونيات. وإن سماع تغريد العصافير وحفيف أجنحتها في الطبيعة يثير في النفوس مشاعر مختلفة من السعادة والسلام والهدوء، وهذا ما دفع الملحنين إلى نقل هذه المشاعر إلى صالات الحفلات من خلال موسيقاهم.
استخدم جوزيبي فيردي أصوات الطيور في أوبراته، لتعزيز الجو الأسطوري والطبيعي، فيما استوحى الملحن الروسي مويسى خايتكين سيمفونيته رقم 1 من صوت طائر الوقواق، واستخدم آلة الفلوت لنقل صوت الطير بشكل معبر ومؤثر. ولم يقتصر فيفالدي على الكمان، بل استخدم أصوات الطيور في العديد من أعماله، مثل «الفصول الأربعة»، لوصف كل فصل من فصول السنة. وحضرت عند كلود ديبوسي من خلال صوت القيثارة لتمثيل زقزقة العصفور. واستخدمها موريس رافل في «دافليس والأنيسة» لخلق أجواء سحرية.
أما في ثقافات أمريكا الجنوبية، فثمة دراسات تجمع بين مناهج علم الأحياء وعلم النفس لربط الروابط الثقافية بين الناس والطيور بالتغير البيئي، خاصة أن كوستاريكا وجهة رئيسية لصناعة مراقبة الطيور التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات. وسعت الدراسات إلى فهم الطيور التي يحبها سكان المنطقة أكثر من غيرها - والطيور التي لا يطيقونها - واستكشفوا التأثير الثقافي المحتمل لفقدان هذه الطيور.
ويختلف تقييم الكوستاريكيين للطيور بناءً على معايير مختلفة مثل الجمال، والصوت، والارتباط بالهوية، والتهديدات التي تواجهها، ويعتبر طائر الطنان الأكثر قيمة بالنسبة لهم، حيث يرغبون في توريثه للأجيال المقبلة، فيما ترتبط أنواع أخرى بهوية المناطق والمدن، ما يعزز الشعور بالانتماء والهوية الوطنية.
استكشاف
يستكشف كتاب «تراث الطيور» للدكتور مصطفى جاد، المعارف والممارسات والإبداعات الشعبية العربية. المتعلقة بالطيور. ويركز الكتاب على استكشاف علاقة الإنسان بالطيور في التراث الشعبي العربي، متناولاً جوانب متعددة لهذه العلاقة. فمن خلال استعراضه للمعتقدات الشعبية المتوارثة، يكشف الكتاب عن الدور المهم الذي لعبته الطيور في حياة الناس، سواء كانت رمزاً للدين أو السحر أو الحظ.
ويستعرض الكتاب المعارف الشعبية المتعلقة بالطيور، مثل طرق صيدها، وأدوات الصيد المستخدمة، وخصائص أنواع مختلفة من الطيور. بالإضافة إلى ذلك، يبحث الكتاب في الرموز والأساطير المرتبطة بالطيور في الثقافة العربية، وكيف أثرت هذه الرموز في تصورات الناس عن العالم من حولهم.