إعداد ـ محمد كمال
رغم بلوغه سن الـ81 عاماً، فإن الصحفي الأمريكي الأشهر بوب وودوارد، أثبت أنه ما زال قادراً على الولوج إلى كواليس المطبخ السياسي الأمريكي، والتعرف إلى أدق تفاصيل لحظات صناعة القرارات المهمة، وخصوصاً تلك المتعلقة بالانتخابات الرئاسية الحالية، وكذلك الحرب الروسية الأوكرانية، فضلاً عن أزمة الشرق الأوسط وتبعاتها، وهو ما تكشفه تسريبات من كتابه «حرب» المقرر صدوره خلال أيام وسط ترقّب الملايين من قرائه لمعرفة الأسرار التي يحتويها.
ومن بين ما يورده وودوارد في كتابه المنتظر، كواليس جديدة عن انسحاب الرئيس الأمريكي جو بايدن من سباق الانتخابات الرئاسية الأمريكية بعد المناظرة الكارثية أمام المرشح الجمهوري دونالد ترامب؛ إذ يكشف أن غداءً جمع بايدن ووزير خارجيته أنتوني بلينكن في البيت الأبيض يوم 4 يوليو الماضي، حيث تمتد علاقتهما لفترة طويلة من العمل والصداقة، وقد تم خلال هذا الاجتماع استعراض المخاطر السياسية التي يواجهها بايدن الرئيس أثناء المناظرة.
ويقول بلينكن بعد ذلك وفق ما يورده الكتاب، بحسب موقع أكسيوس، إن الخروج من السباق كان قراراً لا يمكن أن يتخذه سوى بايدن، حيث أراد أن يشعر بأنه يفعل ذلك وفقاً لشروطه، وليس مجبراً، حيث بقي بعد ذلك في السباق ثلاثة أسابيع أخرى، ثم انسحب مع انهيار دعم الحزب. وخلال هذا الاجتماع استعرض بلينكن أمام بايدن سلسلة من الأسئلة حول إيجابيات وسلبيات استمراره في سباق إعادة انتخابه.
كما يورد في كتابه التناقض الدراماتيكي الذي يراه بين دونالد ترامب ومنافسيه للرئاسة جو بايدن ثم كامالا هاريس، ما يجعل هذا الكتاب مؤثراً في الشارع الأمريكي قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع.
وتشير دار نشر «سايمون آند شوستر» إلى أنه يقدم نظرة من وراء الكواليس على جهود الرئيس بايدن لإدارة الحرب في أوكرانيا، واحتواء الصراع بين إسرائيل وحماس في الشرق الأوسط، في محاولة لردع استخدام الأسلحة النووية وتجنب تحول سريع الانزلاق إلى الحرب العالمية الثالثة.
ـ وجه البوكر ـ
وتشير مصادر مطلعة على الكتاب إلى أنه وكعادة بوب وودوارد مملوء بالاقتباسات الحرفية من اجتماعات عالية المخاطر، ووثائق سرية ومكالمات بين زعماء العالم. وتضيف: إنه وكما كان أسلافهم يفعلون لعقود من الزمن، تعجب كبار المسؤولين الأمريكيين عندما أخبرهم وودوارد بما لديه طالباً تعليقاتهم على ما لديه، ثم حاولوا كالعادة تخمين مصادره، لكنه كما هو الحال دائماً احتفظ الصحفي الكبير بتعبير «وجه البوكر» Poker face، أي ملامح الوجه الثابتة المخادعة والتي توحي بمدى قدرة الشخص على التحكم بانفعالاته، في إشارة إلى لاعب البوكر الماهر الذي يكون وجهه خالياً من التعبيرات.
وتروي المصادر أن بوب وودوارد الذي غطى أخبار 10 رؤساء أمريكيين على مدار 52 عاماً، يقدم في الكتاب رؤيته المميزة لكيفية عمل البيت الأبيض أثناء الأزمات، من خلال تقارير مكثفة عن كل من المرشحين الرئاسيين، نائبة الرئيس كامالا هاريس والرئيس السابق ترامب، كما يغطي الأحداث من 6 يناير 2021 إلى منتصف أغسطس 2024، حيث عمل حتى آخر يوم قبل الطباعة لإضافة تفاصيل خصوصاً بعد ترشيح كامالا هاريس بدلاً من بايدن.
ودائماً ما يقول وودوارد في كثير من الأحيان، إنه بالمقارنة مع المراسلين اليوميين، فإنه يتمتع برفاهية الوقت أثناء كتابته للتاريخ المعاصر، لكن كتابه الجديد قريب جداً من التاريخ الحي الطازج، والذي ما زالت أحداثه تتفاعل، ورغم ذلك يتضمن إفصاحات لا تظهر عادةً إلا بعد عقود من كتابة المذكرات.
ـ كاشف أسرار البيت الأبيض ـ
ويشير الكثير من المؤرخين إلى أنه من الصعب العثور على مثيل لهذا الصحفي المرموق، فهو صاحب التحقيقات الصحفية بالاشتراك مع زميله في صحيفة واشنطن بوست كارل بيرنشتاين، والتي أدت إلى سقوط الرئيس الأمريكي نيكسون وإخراجه من البيت الأبيض، والتي اشتهرت باسم «فضيحة ووترجيت»، ثم ألف كتباً عن العديد من الرؤساء الأمريكيين، مثل جورج بوش الأبن وباراك أوباما ودونالد ترامب، فيما يُعد واحداً من أكثر المحللين مصداقية واطلاعاً.
ومن المعروف أن لبوب قنوات اتصال لا تضاهى بأروقة السلطة في الولايات المتحدة، بل يجمع كبار المسؤولين الأمريكيين أنه من الجيد لهم التعرف إلى وودوارد والتحدث إليه، فالجميع يكشف له التفاصيل، ومن الجيد أن تخبره الأطراف الأخرى بروايتها.
ومن بين المواقف التي تظهر قيمته بالنسبة لمؤسسة الرئاسة الأمريكية، عندما اصطدم في عام 2013 بالرئيس الأسبق باراك أوباما، فما كان من دونالد ترامب إلا القول «البيت الأبيض في عهد أوباما هو الوحيد القادر على التهجم على وودورد دون يكون لذلك تداعيات».
ثم كانت تلك المحادثة الشهيرة مع ترامب نفسه عندما كان يسعى لإعداد كتاب عنه، وهو في منصب الرئيس، حيث قال لوودورد: «أعتقد أنك كنت منصفاً دائماً»، فرد عليه «في متناولي العديد من الوثائق وحصلت على الكثير من المعلومات من الداخل والكتاب نظرة فاحصة للعالم ولإدارتك ولك»، فرد ترامب «أفهم من كلامك بأن الكتاب سلبي، فرد وودورد: «أنا أؤمن ببلدنا، ولأنك رئيسنا أتمنى لك حظاً وافراً».
ـ قدرات غير عادية ـ
وودوارد قدّم أكثر من 20 كتاباً من أفضل الكتب مبيعاً، وعلى مدى أكثر من 50 عاماً كتب تقارير رائدة عن كل رئيس أمريكي بدءاً من ريتشارد نيكسون وقضية ووترجيت الشهيرة، كما كان المحرر المساعد في صحيفة واشنطن بوست، وجزءاً من غرفة الأخبار لعقود، وقد فاز بجائزتي بوليتزر، الأولى لتغطيته لحادثة ووترغيت والثانية لتغطية هجمات 11 سبتمبر.
ويعتقد وودوارد بقوة أن الطريقة مهمة في الوصول إلى الحقيقة، وقال: يحتاج المراسلون إلى المقابلات الشخصية، وليس عبر الهاتف أو الرسائل النصية، والقيام بالعمل عن طريق الإنترنت، كما حث الصحفيين على أن يعتمدوا بشكل أكبر على ما وصفه بتقارير «الخلفية العميقة».
وفي عام 2014، قال روبرت جيتس، مدير وكالة المخابرات المركزية ووزير الدفاع الأمريكي السابق: «كنت أرغب حقاً في تجنيد وودوارد لصالح وكالة المخابرات المركزية لأنه يتمتع بقدرة غير عادية على إقناع المسؤولين بإفشاء أسرارهم له.. إن قدرته على جعل الناس يتحدثون عن أشياء لا ينبغي أن يتحدثوا عنها هي قدرة غير عادية».
ويقول عن ذلك وودوارد: «إن الغرض من المقابلة ليس الإمساك بالأشياء.. بل بناء الثقة.. اذهب إلى النقطة الساخنة لما هو مهم في حياة شخص ما.. لأن هذا هو المكان الذي تحصل فيه على الحقيقة».
ويقول وودوارد: تدور المقابلة حول جعل الأشخاص يشعرون بالراحة الكافية لسرد قصتهم حتى تتمكن من الوصول إلى تلك الحقائق وبناء القصة الأكبر. ووصف وودوارد الأسلوب الذي يستخدمه أثناء المقابلات بالعبارة التالية: «اصمت، استمع، ودع الصمت يمتص الحقيقة».
ـ أعظم جهد صحفي ـ
يقول جين روبرتس، مدير التحرير السابق لصحيفة نيويورك تايمز: إن البحث الذي أجراه وودوارد وبرنشتاين لكشف فضيحة ووترغيت، قد يكون «أعظم جهد صحفي منفرد على الإطلاق»، ووصف وودوارد التوتر الشديد في تلك اللحظة والضغط الهائل الذي تعرضت له كاثرين جراهام، مالكة صحيفة واشنطن بوست، وكبار مديريها التنفيذيين أثناء النشر قائلاً: إنه كان هناك ضغط هائل للاستسلام والتخلي عن القصة برمتها.
ويقول وودوارد: إنه حصل على أحد أهم مبادئ الإدارة التي تعلمها على الإطلاق من مشاهدة كاثرين جراهام خلال فضيحة ووترغيت، حيث تفاجأ بمدى معرفتها لتفاصيل القصة كما كانت تتكشف، وبشغفها الشديد بالمعرفة، كما حرصت على التأكد من أن وودورد وبرنشتاين كانا يعلمان أنهما يحملان الثقل الكامل لصحيفة واشنطن بوست وراءهما، ثم شجعتهما على التوثيق أكثر ورفع مستواهما.
ويقول وودوارد: لقد أبعدت كاثرين جراهام يديها عن التقارير الإخبارية والتحرير.. ولكن على نفس القدر من الأهمية، فقد أبقت عقلها على ذلك بشراسة.
وكانت شبكة غراهام من الشخصيات البارزة هائلة، سواء كان ذلك عشاءً غير رسمي مع هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي لنيكسون، أو لعب التنس مع مستشار الأمن القومي، أو غيره، وقد ساعدت كثيراً، فغالباً كانت تقوم بتدوين الملاحظات بعد هذه الاجتماعات، وترسلها إلى وودوارد وبرنشتاين ثم تساعدهما على تحليل الحقائق التي يحصلان عليها، وهذا ما يفعله القادة العظماء، بحسب وودورد، فهم يحيطون أنفسهم بأشخاص موهوبين مصممين ويظلون على اطلاع بما يكفي لمعرفة الموارد التي يحتاجون إليها، ومتى يجب إعادة توجيههم، ومتى يحتاجون إلى التشجيع لمواصلة المسار، ثم يبتعدون عن الطريق.
ـ«التبجح الشيطاني»ـ
شارك وودوارد درساً عميقاً آخر اكتسبه من كاثرين جراهام، في أعقاب تغطية صحيفة واشنطن بوست لحادثة ووترغيت، حيث استقال ريتشارد نيكسون، ووجهت هيئة محلفين فيدرالية كبرى لائحة الاتهام إلى سبعة من كبار مساعديه بتهمة التآمر، فيما تمت تبرئة وودوارد وبرنشتاين، وعندها قالت جراهام للصحفيين في الجريدة: «لا تفكروا كثيراً في أنفسكم، احذروا من التبجح الشيطاني».
ويقول وودوارد عن ذلك: «كما تعلمون، تلك المتلازمة المعيقة المتمثلة في أهمية الذات والعجرفة.. يمكنك رؤيتها على شاشة التلفزيون، أو في الكتابات، وبالتأكيد في السياسة. أعتقد أنك ترى «شيطان التبجح» طليقاً حينها، فيما ينقل عن أحد المتخصصين أن: «النجاح ليس نهائياً أبداً، إنه ليس وجهة.. في اللحظة التي تعتقد أنك وصلت فيها، سوف تختفي»، ولهذا السبب كان يتحدى الناس باستمرار بشعار: «عظيم اليوم وغد أفضل».
وبعد الكتب الأكثر مبيعاً وأربعة عقود من الأوسمة العامة ومسيرة مهنية مميزة، يظهر وودوارد دائماً متواضعاً واثقاً، على الرغم من أنه فاز تقريباً بكل الجوائز الكبرى التي يمكن منحها لأي صحفي، ورغم ذلك فقد نجا من «شيطان التبجح».
ـ المرحلة التالية من الخير ـ
خلال إحدى المقابلات سأل أحد الأشخاص وودوارد عن رأيه في مستقبل البلاد إذا أعيد انتخاب ترامب، فرد بطريقة مدروسة قائلاً: «إن دور الرئاسة هو نقل بلادنا إلى المرحلة التالية من الخير». وهو ما يشير وفق ما أوردته صحيفة فوربس إلى أن «القادة العظماء يوزعون الأمل، إنهم يجعلوننا ندرك كم نحن جيدون، إن إيمانهم بنا، وبما نحن قادرون على تحقيقه، يشكل العلاقة بأكملها، إن رباطة جأشنا تحت الضغط يعكس هدوءهم.. نحن نتبعهم إلى منطقة مجهولة لأن نزاهتهم أثبتت أنها تستحق ثقتنا، نحن نرتقي إلى مستويات أعلى لأن توقعاتهم منّا تقول إننا نستطيع ذلك».
ثم قال وودوارد للجمهور: «دوري كصحفي هو الحياد السياسي، لقد تم تسميتي باليساري، لقد تم وصفي بشخص يميني، جمهوري، وديمقراطي، وقبل بضعة أشهر وصفني أحدهم بـ«الوسطي المتطرف».. ومهما كان معنى ذلك، فسوف أقبله».