دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مصرَ والأردن ودولاً أخرى إلى تهجير الفلسطينيين في قطاع غزة إليها، ليست طلقات في سماء صافية، هي طلقات في سماء غائمة وعاصفة تتعارض مع وعده بتحقيق سلام شامل في الشرق الأوسط، وتقضي على الدعوات العالمية المتزايدة إلى ضرورة التسوية على أساس حل الدولتين وفقاً لقرارات الشرعة الدولية وحق تقرير المصير، وتتماهى مع مخططات اليمين الإسرائيلي المتطرف بالتوسع والتهويد والاستيطان.
لم يتأخر الرد المصري والأردني على هذه الدعوة، فقد أعلنت الخارجية المصرية تمسك مصر بثوابت ومحددات التسوية السياسية للقضية الفلسطينية، مشددةً على أنها «تظل القضية المحورية بالشرق الأوسط، وأن التأخر في تسويتها، وفي إنهاء الاحتلال، وعودة الحقوق المسلوبة للشعب الفلسطيني، هو أساس عدم الاستقرار في المنطقة».
كذلك أكدت «رفضها لأي مساس بتلك الحقوق غير القابلة للتصرف، سواء من خلال الاستيطان أو الضمّ، أو عن طريق إخلاء الأرض من أصحابها من خلال التهجير أو تشجيع نقل أو اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، سواء كان بشكل مؤقت أو طويل الأجل». كما أكدت الخارجية الأردنية أن «رفض التهجير ثابت لا يتغير»، وأن الأولوية في الأردن «تثبيت الفلسطينيين على أرضهم».
إن إدارة ترامب لم تعلن حتى الآن، تأييدها لقيام الدولتين في إطار حل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، كما فعلت الإدارات السابقة، بل دعا خلال حملاته الانتخابية إلى «توسع إسرائيل»، ما يلقي ظلالاً من الشك والريبة حول دعوته لتهجير سكان غزة، ذلك أن حديثه عن «بناء مساكن لهم في موقع مختلف، حيث يمكنهم ربما العيش في سلام لأول مرة»، هو كلام غير منطقي وملغوم، خصوصاً عندما يتحدث عن «نقل مؤقت أو طويل الأمد».
ذلك أن عملية إعادة الإعمار لا تحتاج إلى نقل أو تهجير، لذلك لاقى موقف ترامب تأييداً سريعاً من وزير الأمن الإسرائيلي المستقيل إيتمار بن غفير الذي قال: «أهنّئ ترامب على مبادرته بنقل سكان غزة إلى الأردن ومصر»، وأضاف: «عندما يطرح رئيس أكبر قوة في العالم الهجرة الطوعية للفلسطينيين فمن الحكمة تشجيعها على أن تنفذها حكومتنا»، أما وزير المالية بتسيئيل سموتريتش فقال: «إن مساعدة سكان غزة في العثور على أماكن أخرى لبدء حياة جديدة فكرة رائعة».
إن اقتراح الرئيس الأمريكي يشكل امتداداً لمخططات قديمة فاشلة لم تحقق هدفها على مدى أكثر من 76 عاماً، لا بالتوطين ولا بالتهجير ولا بالتفريغ، وهو بالمطلق غير قابل للتنفيذ، ومرفوض من الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات، إضافة إلى أنه مرفوض دولياً وعربياً، لأنه يتنافى مع القانون الدولى وشرعة حقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة.
إذا كانت حرب الإبادة التي تعرّض لها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وأطنان القنابل الأمريكية التي دمرت كل أشكال الحياة في القطاع فشلت في اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، وها هو يعود إليها سيراً على الأقدام وبأي وسيلة ممكنة، فإن دعوات التهجير الجديدة لن يكون مصيرها أفضل من مخططات مماثلة سابقة.
المطلوب من الإدارة الأمريكية الحالية التوقف عن طرح مثل هذه المخططات العقيمة، وأن تعمل ولو لمرة واحدة على الامتثال للشرعية الدولية وتطبيق القرارات الدولية، إذا كانت صادقة فعلاً بأنها ترغب في تحقيق السلام في المنطقة.
ترامب وتهجير الفلسطينيين
28 يناير 2025 00:44 صباحًا
|
آخر تحديث:
28 يناير 00:44 2025
شارك