إعداد: سارة البلوشي
التسرب المدرسي هو أولى خطوات الضياع للكثير من الأطفال والشباب، وهدم مبكر لفرصة بناء مستقبل مشرق تضيع معه الأحلام والطموحات التي كان من الممكن أن تكون واقعاً ملموساً، ويتبدل الحال لمواجهة مستقبل غامض مملوء بالصعوبات والعقبات.
وتتعدد أسباب انتشار هذه الظاهرة، بين الخلافات الأسرية وضعف التوجيه والتأثير السلبي لرفاق السوء، لذا لا يمكن النظر لها على أنها مجرد إحصائية أو مشكلة محلية، بل هي أزمة تهدد الأجيال القادمة، وخلال التحقيق استطلعت «الخليج» آراء المختصين لتتعرف إلى أسباب الظاهرة والآثار السلبية لها، وكيفية الحد من انتشارها واتخاذ الإجراءات الوقائية، خصوصاً أن التعليم هو السلاح الأقوى لمواجهة التحديات.
أكد خبراء وتربويون، أن الأفراد غير المتعلمين قد يواجهون صعوبة كبيرة في بناء أسرة مستقرة ومتماسكة في المستقبل، وذلك نتيجة ضعف الوعي والتواصل، حيث قالت الدكتورة عائشة الجناحي، كاتبة وقائدة عالمية في الطفولة المبكّرة، إن ظاهرة التسرب من التعليم العام تتضمن أسباباً كثيرة، منها الخلافات الأسرية أو انفصال الوالدين الذي يؤثر بطريقة أو بأخرى بالرغبة في التعليم، إضافة إلى ضعف التوجيه الأسري بسبب عدم متابعة الأهل المستمرة لأداء الطالب، والتأثير السلبي لرفاق السوء، أو وجود الطالب في محيط سلبي يقلل من قيمة التعليم، ويشجعه على التمرد وعدم الرغبة في النجاح.
صعوبة التكيف
أوضحت الدكتورة عائشة الجناحي، أن الأفراد غير المتعلمين قد يواجهون صعوبة كبيرة في بناء أسرة مستقرة وصعوبة في الحصول على وظائف مناسبة، وأكدت أن الحد من ظاهرة التسرب من التعليم، يحتاج إلى تضافر جهود المدرسة والأسرة للتمكن من توفير بيئة تعليمية داعمة ومحفزة. وعلى المستوى المدرسي، لابد من تحسين جودة التعليم، وتدريب المعلمين على التعامل التربوي الفعّال مع الطلاب، ومكافحة التنمر بوضع قوانين وآليات تحد من تمادي بعض المتنمرين، وتوفير مستشارين نفسيين، وتنظيم أنشطة تفاعلية متنوعة تزيد من حب وجود الطلاب في المدرسة.
ولفتت إلى ضرورة أن تعزز الأسر التواصل مع الأبناء، وتتابع دراستهم بشكل مستمر، وتوفر احتياجاتهم الأساسية، وتشجعهم على التعليم باعتباره أولوية للنجاح والتميز في الحاضر والمستقبل، مشيرة إلى أن المودة والترابط بين الطالب وأسرته لهما علاقة وثيقة بهذه الظاهرة، أما العلاقة الأسرية الداعمة والمتماسكة تُعدّ أحد العوامل الأساسية التي تساعد الطالب على مواجهة التحديات الدراسية والنفسية.
وأكدت ضرورة تعزيز شعور الطالب بالأمان في بيئة أسرية مملوءة بالمودة والحب، وتدفعه للتميز والالتزام بالدراسة، حيث إن الأسرة المتماسكة تُقدّم دعماً نفسياً للطالب في الأوقات الصعبة، وتساعده على تجاوز الإحباط أو الفشل.
نقص الدعم
تقول شيخة صالح المخيني، معلمة علوم بمدرسة «الرماقية»، إن أسباب ظاهرة التسرب كثيرة، منها الخلافات العائلية، والضغط الاجتماعي، والزواج المبكر، وضعف النظام التعليمي، نقص الدعم من المعلمين، وصعوبة المناهج الدراسية، وأشارت إلى أن الآثار السلبية المترتبة على ذلك تنقسم إلى أربعة جوانب، أولاً زيادة معدلات البطالة وانخفاض الدخل الفردي، وثانياً ارتفاع معدلات الجريمة والمشاكل الاجتماعية، وثالثاً تأثيرات سلبية في الصحة النفسية والشعور بالانتماء، وأخيراً نقص في المعرفة والمهارات، وتقلص فرص التعليم المستقبلي.
وأكدت أن هناك الكثير من الإجراءات الوقائية المدرسية والأسرية للحد من انتشار هذه الظاهرة، بتوفير الدعم النفسي والمعنوي للأطفال، وتشجيعهم على استكمال دراستهم، وتدريب المعلمين على التعامل مع الحالات النفسية والاجتماعية للأطفال، إضافة إلى إنشاء برامج لدعم الطلاب المحتاجين مادياً وتقديم منح دراسية، وخلق بيئة مدرسية داعمة وآمنة، والتعامل بجدية مع حالات التنمر، وتعزيز التواصل والتعاون بين المدرسة والأسرة لدعم الطفل. وأوضحت أن هناك طرقاً وإجراءات على المدرسة اتخاذها حينما يهرب الطلاب، بدايةً بالتواصل المباشر مع الأهل لمعرفة الأسباب ومحاولة حلها، والبحث لتوفير الدعم النفسي للطلاب الهاربين ومعالجة مشاكلهم النفسية، والسعي لتقديم إرشاد أكاديمي وحلول بديلة مثل التعليم المهني أو برامج التعليم المرنة لمن يعانون صعوبة في النظام التعليمي التقليدي.
إهدار للطاقات
أشارت د. صبرين الفقي، مختصة نفسية، مديرة مركز رؤية للتدريب على العلوم السلوكية، إلى أن ظاهرة التسرب المدرسي تشكل خطراً كبيراً على المجتمع، بما في ذلك إهدار للطاقات البشرية وميزانية الدولة بصفة عامة، كما تسهم في انتشار البطالة والانحراف وتعيق نمو المجتمع.
وأضافت أن أغلب الطلاب، خاصة الذكور، يتسربون قبل الانتهاء من المرحلة التعليمية لأسباب عديدة، منها الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والأسرية، وتبرز الخطورة في تداعياتها النفسية على الطالب والأسرة، وما ينتج عنها من تداعيات على توجه الفرد وتعرضه للانحراف والبطالة، وهو ما يؤدي إلى عرقلة مسار التنمية في المجتمع.
وقالت إن هذه الظاهرة تعرف بأنها انقطاع الطالب عن الدراسة وعدم إتمامه لها، ومن أجل معالجتها لابد من تسليط الضوء على العوامل المؤدية إليها، لافتة إلى أن علماء النفس والاجتماع أكدوا أن أكثر مشكلات هذه المرحلة انتشاراً هي عدم التكيف مع العمل المدرسي، والخوف من الامتحانات، وعدم الميل لبعض المواد الدراسية، والقلق من الفشل في الدراسة، وصعوبة الفهم والتأخر الدراسي، إضافة إلى الخوف من المستقبل والحاجة إلى الإرشاد العام وضعف الثقة بالنفس، والعصبية والميل إلى العنف، وعدم قبول الذات الاجتماعية.
وأوضحت أن الأوضاع الاقتصادية تعد من أسباب انتشار مشكلة التسرب، وتتمثل في ارتفاع الرسوم التعليمية، والحاجة إلى دروس خصوصية، ما يجعل الموضوع صعباً علي أولياء الأمور، لاسيما في حال وجود أكثر من طالب في العائلة، وهناك من يتركون التعليم المدرسي بسبب عدم تحقيق نجاح أكاديمي، وغالباً بعد محاولات متكررة.
الإهمال في المدارس
قالت د. صبرين الفقي، إن الإهمال المنتشر في المدارس، أحد أسباب التسرب المدرسي، نتيجةً لعدم اكتراث كثير من المعلمين والمديرين والموجهين في المدارس حيال تسرب الطلاب كونه أصبح باعتقادهم أمراً طبيعياً لا يخصهم مباشرةً، ويُفضل الكثير من المدرسين اتّخاذ الطريق السهل في مساعدة الطلاب المتفوقين ودعمهم لتوفر الفرص وإمكانات النجاح، متناسين دورهم الأساسي في دعم الطلاب الأقلّ حظاً، إذ إنهم في كثير من الأحيان يوجهون صفات لمثل هؤلاء الطلاب تجعلهم يشعرون بعدم جدوى الذهاب إلى المدرسة، فتصبح مكاناً يرتبط بمشاعر سلبية.
تأثير مباشر
أوضح المستشار القانوني محمد جاويش، أن التسرب المدرسي ظاهرة خطرة تواجه كافة المجتمعات حول العالم، حيث تؤثر سلباً في حياة الأفراد والمجتمع بأسره، ولها تأثير مباشر ليس فقط في حياة الأسرة التي يتسرب بعض أو أحد أبنائها من التعليم، وإنما لها تأثير واضح في مستقبل الجيل، بزيادة نسبة البطالة وانتشار الفقر وارتفاع معدلات الجريمة، وحين نتساءل عن الأسباب، نجد أن هناك عوامل عديدة، سواء كانت اقتصادية أو نفسية أو اجتماعية، ونخص العوامل الاجتماعية والتفكك الأسري الذي هو من توابع الانفصال أو الطلاق، وليس التسرب المدرسي نتيجة حتمية لطلاق الأم والأب، وليس كل تسرب نتاج انفصال أو تفكك أسري، لكننا نتناول العوامل الأكثر خطورة، حيث إن الطلاق يُحتمل أن تقل معه درجة الاهتمام والإشراف على الأبناء من الأبوين.
بيئة تعليمية
لفتت د. صبرين الفقي، إلى ضرورة توفير بيئة تعليمية صحية وممتعة للطفل، وتوسيع انتشار مراكز التدريب المهني وتقديم كافة التسهيلات والمكافآت لتشجيع الملتحقين بها، والتنويع في برامج التدريب المهني لمواكبة حاجات سوق العمل ومتابعة المدرسين للطلاب جميعهم بنفس الدرجة من الاهتمام، والعدالة في التعامل، وعدم التمييز بين الطلبة داخل المدرسة، ومنع العقاب بكل أنواعه، وتوفير تعليم تمكيني علاجي للطلبة الذين يعانون صعوبات التعلم، وفرص عمل للخريجين الجدد.
حياة تربوية
أكد المستشار القانوني محمد جاويش أنه حتى لو تم فرض بعض الإجراءات الجبرية أو المساءلة الجزائية على ذوي الطفل لضمان استمرار العملية التعليمية والحياة الأكاديمية له، فنرى أن ذلك ليس كافياً كون العملية التعليمية ليست مجرد حضور أو مراجعة الطفل لجهة الدراسة، وإنما هي حياة تربوية متكاملة وبيئة رقابة ورعاية لا يقتصر فيها دور الأهل على الدور النظري البحت، وإنما حياة تطبيقية تحتل مرحلة في تنشئة الطفل بما فيها من مكافأة وإطراء ورقابة وعقاب ومعنويات وماديات وقرب واحتواء ووسائل عديدة لا حصر لها.