في اليوم التالي لاغتيال الرئيس الأمريكي جون كينيدي في دالاس بولاية تكساس الأمريكية، خلال شهر نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1963، وقف أحد عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) أمام منزل المشتبه فيه، وعندما خرجت والدته أظهر لها صورة نادرة يعتقد أنها تعود لابنها، تم التقاطها في ظروف غامضة قبل الحادث بنحو شهرين، لكن هذه الواقعة التي تبدو روتينية كشفت الكثير عن جذور ما تسمى «الدولة العميقة» في أمريكا، وهو الوصف الذي يستسيغه الرئيس دونالد ترامب.
الصورة التي أطلت من وسط عشرات آلاف الوثائق التي جرى الكشف عنها مؤخراً، ضمن «ملفات كينيدي»، خضعت لتدقيق شديد، نظراً لما تكشف عنه من ملابسات مخابراتية كادت أن تحدث أزمات دولية، وما فاقم الغموض حولها أن العميل أخبر والدة القاتل أنه حصل على الصورة من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) في مخالفة لتنبيه تلقاه بضرورة عدم إخبارها بمصدر الصورة، وهو ما دفع المحللون للبحث عن أسباب محاولة إخفاء المصدر.
تعود الصورة إلى شهرين قبل عملية الاغتيال، حيث التقطتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) لأوزوالد في مدينة مكسيكو بالمكسيك، عندما كان يحاول الحصول على تأشيرات من الكوبيين والروس، وتظل فترة وجود المشتبه فيه بالمكسيك هي الأكثر غموضاً، ويعتقد بعضهم أنها تخفي لغزاً كبيراً بشأن اغتيال كينيدي.
ومع موجة نظريات المؤامرة التي اجتاحت الولايات المتحدة، اكتسبت قصة الصورة طابعاً خاصاً، في محاولة للإجابة عن تساؤل: لماذا كانت وكالة المخابرات المركزية تراقب قاتل كينيدي قبل أشهر فقط من عملية الاغتيال؟، لكن الأغرب أنه مع استمرار سلسلة من التحقيقات، قدّم مسؤولو الوكالة روايات متباينة للغاية عن الصورة، ما دفع بعضهم للاعتقاد بأن عناصر من الحكومة الأمريكية أو ما تسمى «الدولة العميقة» ربما تآمرت للاستيلاء على السلطة.
ويرى محللون، وفقاً لصحيفة وول ستريت جورنال، أن السبب في محاولة وكالة المخابرات المركزية إبعاد نفسها عن الصورة، هو نطاق مراقبتها الواسع للبعثات الدبلوماسية السوفيتية والكوبية في مدينة مكسيكو، حيث تكشف الوثائق أن المراقبة شملت ميكروفوناً مثبتاً في ساق طاولة قهوة بمكتب السفير الكوبي، وشاحنتي مراقبة متنقلتين، وثلاثة عملاء مُدرَّبين على المراقبة بالتصوير سيراً على الأقدام، وغيرها من الوسائل.
استهداف كاسترو
أدت صورة أوزوالد إلى كشف معلومات علنية حول عمليات مراقبة أجرتها الوكالة لاتصال القاتل بمسؤولين كوبيين في مدينة مكسيكو، وقد أثار ذلك المزيد من التساؤلات حول عمليات وكالة المخابرات المركزية ضد كوبا، وقبل شهرين فقط من الاغتيال، حذّر الزعيم الكوبي آنذاك فيدل كاسترو من أنه إذا حاولت الولايات المتحدة قتل «القادة الكوبيين، فلن يكونوا هم أنفسهم آمنين».
تكشف الوثائق الجديدة، أن الزعيم الكوبي استشاط غضباً عندما علم بجهودٍ مدعومةٍ من الوكالة لشن هجمات من بينها وضع مادة ملوثة في سكر كوبي كان متجها إلى الاتحاد السوفيتي، وكذلك تفجير قنابل في شبكة الصرف الصحي خلال إحدى خطاباته، كما وافق عملاءٌ من وكالة المخابرات المركزية، بمساعدة المافيا الأمريكية، على محاولة قتل كاسترو مقابل 100 ألف دولار، ودفع 20 ألف دولار لاغتيال شقيق كاسترو، راؤول، وتشي غيفارا الثوري الشهير.
بعد أكثر من عقدٍ من اغتيال كينيدي، أجرت وكالة المخابرات المركزية تحقيقاً استمرّ سنواتٍ عديدةً بشأن تورط كاسترو. ولم يجد التحقيق «دليلاً قاطعاً على تورط نظامه»، ولاحقاً، اضطرت وكالة المخابرات المركزية إلى كشف أنها تورطت فيما وصفته ب«عملية تستر حميدة» لإخفاء جهودها للإطاحة بالحكومة الكوبية عن محققي جون كينيدي، بغرض توجيه المحققين نحو «الحقيقة الصادقة» وهي أن أوزوالد كان مسلحاً منفرداً دون دعم أجنبي.
وقال مسؤولون بالوكالة في تحقيقات لاحقة: إنهم كانوا يخشون من أن الصراحة بشأن أنشطتها قد تقود المحققين إلى استنتاج أن كاسترو قتل كينيدي بدافع الانتقام، وكان من بين التبعات المحتملة لذلك اشتعال صراع كارثي مع الاتحاد السوفيتي آنذاك.
المخابرات السوفيتية
من بين ما تكشفه الوثائق الجديدة، أن أحد مسؤولي جهاز المخابرات السوفيتية (كي جي بي)، راجع شخصياً خمسة مجلدات ضخمة من الملفات المتعلقة بأوزوالد لتحديد ما إذا كان عميلاً سوفيتياً، حيث قال بعدها إنه «واثق من أن أوزوالد لم يكن في أي وقت من الأوقات عميلاً خاضعاً لسيطرة الكي جي بي. ومن وصف أوزوالد في الملفات، شكك في قدرة أي شخص على السيطرة عليه».
يقول المسؤول السوفيتي، وفقاً للوثائق التي كشفت بعض تفاصيلها صحيفة واشنطن بوست: إن عملاء الكي جي بي راقبوا أوزوالد «عن كثب وباستمرار أثناء وجوده في الاتحاد السوفيتي». ومن بين المعلومات التي استخلصوها من مراقبتهم: «أظهر الملف أيضاً أنه كان ضعيفاً في الرماية عندما حاول إطلاق النار على هدف في الاتحاد السوفيتي».
دور الدولة العميقة
يقول جوناثان إيرل، المؤرخ في جامعة ولاية لويزيانا الذي درس نمو نظريات المؤامرة الأمريكية: «ليس من المفاجئ أن نفعل ذلك على أراضينا أيضاً إذا كنا نفعل ذلك في الخارج».
انتشر هذا الاعتقاد في فيلم «JFK» للمخرج أوليفر ستون عام 1991، حيث يصرح بطل الفيلم بأن «الرئيس كينيدي قُتل بمؤامرة مُخطط لها مسبقاً وفق أعلى مستويات حكومتنا»، كما حذر الفيلم المشاهدين من أن الدليل مُخبأ في ملفات الحكومة السرية. وفي نهاية الفيلم، تظهر شاشة نصية تدعو المشاهدين للتواصل مع نوابهم للمطالبة بالإفراج عنهم، وقد فعل الكثيرون ذلك.
في العام التالي، أقرّ الكونغرس قانون سجلات جون كينيدي، الذي يُلزم نشر المواد المتعلقة باغتياله بحلول عام 2017. وخلال العقود التالية، زعمت وكالة المخابرات المركزية مراراً وتكراراً أن بعض الوثائق قد تضر بعملياتها، لكن النشر المنقح بعدها لبعض الوثائق عزز شكوك الرأي العام بأن الحكومة لا تزال تُخفي شيئاً ما عن اغتيال كينيدي.
بحلول ثمانينات القرن الماضي، أظهرت استطلاعات الرأي أن معظم الأمريكيين يعتقدون أن لواشنطن دوراً في اغتيال كينيدي، وفقاً لجيلون، مؤرخ كينيدي. وكانت إحدى أكثر النظريات شيوعاً هي صورةٌ مُظلمةٌ للأعمال الأمريكية في كوبا: أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) تعاونت مع شركات، وجماعاتٍ مناهضة لكاسترو، وشخصياتٍ مافيا لاغتيال كينيدي.
دور ترامب
يقول جيرالد بوسنر، مؤلف كتاب «القضية مغلقة»، الذي يفضح نظريات المؤامرة المرتبطة باغتيال كينيدي: إن ترويج ترامب لفكرة «الدولة العميقة» قد حوّل الكثيرين خصوصاً من اليمين إلى الاعتقاد بأن الحكومة لعبت دوراً في اغتيال كينيدي. وأضاف بوسنر: «من المسلم به أن ما حدث لترامب هو عملية من الدولة العميقة.. فهي تسعى للتخلص من الرؤساء الذين لا يروقون لها».
وفي العقود التالية، حاولت وكالة المخابرات المركزية مراراً وتكراراً إخفاء حقائق أكثر قتامة عن محققي عملية اغتيال كينيدي، حول كيفية عملها في الخارج، بما في ذلك العديد من «الممارسات المشينة». ويقول ستيفن جيلون، مؤرخ كينيدي إن «اغتياله والمؤامرة التي انبثقت عنه هما أساس ما يُطلق عليه حالياً الدولة العميقة»، والتي كيثراً ما يتهمها ترامب بمحاولة إبعاده عمداً عن السلطة، وقال بالنص في فعالية عام 2023: «بجانبكم، سنهدم الدولة العميقة. سنطرد مُحرضي الحرب. سأطرد البيروقراطيين غير المنتخبين وقوى الظل».
وفي النهاية، خلصت التحقيقات وفق ما كشفتها كل الوثائق المعروفة حتى الآن والتي تعود في معظمها إلى ستينات القرن الماضي، أن «لجنة وارن» التي شكلت عام 1964 أقرت بأن كينيدي قُتل على يد أوزوالد، الذي تصرّف بمفرده، لكن في السنوات التي تلت ذلك، ظهرت مجموعة من النظريات البديلة، مدفوعة جزئياً بسرية وكالة الاستخبارات المركزية في التحقيق، ويبدو أن القضية قد تظل غامضة إلى الأبد.
معلومات غير مسبوقة.. صورة من وثائق كينيدي تفضح «خفايا الدولة العميقة»
24 مارس 2025 00:31 صباحًا
|
آخر تحديث:
20 يوليو 13:45 2025
شارك
معلومات غير مسبوقة.. صورة من وثائق كينيدي تفضح «خفايا الدولة العميقة»