يوري أوليشا (1899 – 1960) واحد من ألمع الكتّاب الروس في القرن العشرين، بجانب بعض معاصريه مثل: ميخائيل زوشينكو، ميخائيل بولجاكوف، إسحاق بابل، واجه هذا الجيل مصاعب كثيرة لقول ما يريده إبان تلك الفترة القمعية من تاريخ روسيا، ودفع بعضهم ثمناً فادحاً لانحيازاته الفنية والأخلاقية، سواء أفضى ذلك بهم إلى الموت العيني أو الأدبي في تلك الفترة.
ولد يوري أوليشا صاحب رواية «الحسد» (ترجمة يوسف نبيل) لوالدين كاثوليكيين من أصل بولندي في إحدى المدن الأوكرانية، وانتقل مع عائلته في عام 1902 إلى العيش في أوديسا حيث التقى هناك بمجموعة من الكتاب المعاصرين له، مثل بابل وفالنتين كاتايف، والتحق بكلية الحقوق، ثم أجل دراسته لتطوعه في الجيش الأحمر أثناء الحرب الأهلية، وكان مناصراً للثورة آنذاك.
بدأ عمله الأدبي بانضمامه إلى مجموعة أدبية تدعى «المصباح الأخضر» ضمت العديد من الأسماء الأدبية، وأنتج في تلك الفترة مواد دعائية للثورة، ونشر في تلك المرحلة مجموعات قصصية ومجموعات شعرية، لكن شهرته الحقيقية بدأت بظهور روايته الوحيدة «الحسد» في عام 1927 التي تعد إلى حد كبير أفضل أعماله.
كتب أوليشا كذلك أعمالاً مسرحية عديدة، وبمرور الوقت وجد صعوبة شديدة في نشر أعماله إبان الرقابة الستالينية، ولذلك تعثرت مسيرته الأدبية حتى توفي بمرض القلب في عام 1960.
يقول المترجم إن رواية «الحسد» محيرة ومربكة إلى حد بعيد، ولذلك تباين موقف مستقبليها وتفسيرهم لموقف الكاتب منها، لكن الأمر المؤكد أنه يصعب جداً أن تخلو منها قائمة تضم أعظم وأشهر الأعمال الأدبية الروسية في النصف الأول من القرن العشرين.
تتناول الرواية واحداً من أهم الأفكار التي أثيرت على الساحة في بداية العصر السوفييتي، إنها قضية «المواطن السوفييتي الجديد». طرح لينين والسلطة السوفييتية الأولى تصوراً محدداً عن المواطن السوفييتي، وهو تصور «البطل الاشتراكي» الذي امتلأت به صفحات الأعمال الدعائية للسلطة، التي أنتجت أسلوب الواقعية الاشتراكية. في هذا العمل يكشف لنا «الحسد» عن رجلين يرفضان النظام السوفييتي الجديد ويحسدان أبطاله الجدد، وينددان بالآلية التي ستقضي على كافة المشاعر والعواطف في سبيل الأيديولوجيا وسيطرة الآلة، لكن الفشل يلازمهما طوال الوقت.
يغوص العمل في تناقضات معقدة بين العالمين القديم والجديد، الأغنياء والفقراء، الكراهية والحب، هذه الصراعات هي التي شكلت المجتمع السوفييتي الجديد في تلك الفترة، وبالتالي تطرح التساؤلات عن ماهية البطل الحقيقي وسبل الخلاص. «الحسد» رواية عن روسيا التي لا تصدق في فترة مربكة للغاية، روسيا المليئة بالأحلام والأكاذيب والخداع، وبالطبع «الحسد». نتوه في العمل بين ما هو حقيقي وما هو متخيل، وبين الدوافع الحقيقية للشخصيات، ويواجه القارئ أسئلة تصعب الإجابة عنها، حيث تتشكل بنية الرواية في الأساس على شبكة من الأكاذيب.
تكشف «الحسد» عن مفارقة مريرة، وهي أن أوليشا الذي كان واحداً من مناصري الاتحاد السوفييتي الجديد بحرارة، إلى درجة أنه تطوع في صفوف الجيش الأحمر، لم يتمكن من أن يصبح المواطن السوفييتي الجديد، الذي صاغت السلطة قوالبه، وهو الموقف ذاته الذي واجهه كثير من الكتاب الذين ناصروا السلطة السوفييتية في البداية، مثل الشاعر ماياكوفسكي.
تعبّر الرواية فنياً أيضاً عن تطور مذهل في الكتابة الروسية الحديثة في تلك الفترة، حيث تشتمل بنية السرد على نوع شديد الغرابة من السخرية والهجاء، تذوب فيه الفوارق بين الواقع والحلم، ويؤدي كل ذلك إلى حتمية الشعور بالدهشة من تطور وغرابة أسلوب أوليشا في كتابة العمل.
تناقضات معقدة بين العالم القديم والحاضر
«الحسد».. رواية عن المواطن السوفييتي الجديد
25 مارس 2025 00:10 صباحًا
|
آخر تحديث:
25 مارس 00:10 2025
شارك