إعداد: محمد كمال
 

مع رحيل البابا فرنسيس الثاني عن عمر ناهز 88 عاماً، فقد قضى منها 12 عاماً على رأس الكنيسة الكاثوليكية، لكن السنوات التي سبقت ذلك غلفها غموض عُرف به بين أقرانه، بينما يكشف التتبع الدقيق لمسيرته الكثير من المعلومات غير المعروفة على نطاق واسع خصوصاً ما يتعلق بسنوات الصبا والشباب في الأرجنتين، ومن بينها امتهانه العديد من الوظائف التي قد تفاجئ الكثيرين.

ولد خورخي ماريو بيرجوليو لأبوين مهاجرين إيطاليين في بوينس آيرس بالأرجنتين، حيث هاجر والده ماريو، من منطقة بييمونتي الإيطالية مع والديه وخمسة أشقاء في عام 1928. وتوجهوا غرباً للانضمام إلى العائلة التي كانت تعيش بالفعل في ما كان يُعرف آنذاك بـ«جنة المهاجرين» في الأرجنتين، إحدى أغنى دول العالم في أوائل القرن العشرين، لكن قوّض الكساد الكبير، آمال البلاد.

لقاء القداس

● انتقل آل بيرغوليو من الريف إلى العاصمة بوينس آيرس الصاخبة، وهناك، التقى والد البابا فرنسيس وهو محاسب، بزوجته المستقبلية ريجينا ماريا سيفوري، ابنة مهاجرين إيطاليين، خلال قداس.

استقر الزوجان، اللذان كانا يتحدثان الإيطالية والإسبانية في المنزل، بحي فلوريس الشعبي في العاصمة، حيث وُلد خورخي، الابن الأكبر بين خمسة أشقاء عام 1936.

● تأثرت حياته الروحية بشكل كبير بجدته لأبيه روزا فاسالو، التي كانت ترعاه نهاراً، وقد انضمت وهي في إيطاليا، إلى جماعة كاثوليكية مناهضة للفاشية، وفي الأرجنتين، غرست في تلميذها الصغير حس العدالة الاجتماعية، حتى إنه ظل يحتفظ برسالة كتبتها له طيلة حياته.

لاعب الكرة وحارس الأمن

● من بين الحقائق الأقل الشهرة عن البابا فرنسيس، أنه بدأ حياته كلاعب كرة قدم، باعتبارها اللعبة الشعبية الأولى في الأرجنتين، وكان من أشد المشجعين حماسة لنادي سان لورينزو دي ألماجرو المغمور، كما مارس في شبابه رقص الميلونغا الإيقاعية في الحفلات، واشتهر بحبه لرقصة التانغو الشهيرة.

● عندما كان شابًا في الأرجنتين، عمل أيضاً في مجموعة متنوعة من الوظائف الغريبة، بدءًا من عامل نظافة وحارس مقهى ترفيهي، قبل أن يتدرب ككيميائي ويبدأ العمل كفني في مختبر علوم الأغذية.

فني مختبر ومدرس علم نفس

● سلك خورخي طريقًا غير مباشر نحو الكهنوت، فعمل كيميائيًا في مختبر، رغم أن والدته أرادت أن يصبح طبيبًا، ثم قام لفترة وجيزة بالعمل كحارس في أحد النوادي الترفيهية.

● التحق بالرهبنة عام 1958 قبل أن يبدأ رحلته الأكاديمية، حيث درس العلوم الإنسانية في سانتياغو بتشيلي، ثم حصل على ليسانس في الفلسفة من جامعة بوينس آيرس، وبعد تخرجه عمل مدرساً في إحدى المدارس الثانوية حيث درَّس الأدب وعلم النفس، إلى جانب دراسته للحصول على شهادة في اللاهوت، وتدرج حتى وصل إلى رئيس أساقفة بوينس آيرس.

استئصال الرئة والتوجه الروحاني

● في سن الحادية والعشرين من عمره، أصيب بنوبة التهاب رئوي حاد، خضع على إثرها لجراحة استئصال جزء من رئته اليمنى، وبعد الجراحة تعمقت توجهاته الروحانية، عن طريق راهبة كانت تزوره وهو في فراش المرض.

● ينسب إليه أنه ساعد الكثيرين من المضطهدين في الأرجنتين، عندما كان يحمل لقب الأب بيرغوليو، على الاختباء أو الفرار عبر شبكات سرية، وبعد سنوات طويلة، وفي عام 2001، عانت الأرجنتين من انهيار اقتصادي حادّ، ولعلّ تلك الفترة كانت من أروع لحظاته، إذ أطلق عمليات إغاثة بدعم من الكنيسة، وفّرت الغذاء والدواء والتدريب المهني والمأوى للمحتاجين.

الحذاء البالي

● بعد اختياره بابا للفاتيكان في مارس/آذار 2013، استقبل البابا فرنسيس الصحافة الدولية داخل قاعة واسعة بحذاء أسود بالٍ من تحت ردائه البابوي الجديد، حيث رفض ارتداء النعال الأحمر الفاخر، على عكس سابقيه، كتعبير عن ميله لدعم الفقراء والمهمشين.

● مع موافقته على تولي الكرسي الكرسي البابوي عقب اختياره، اتصل شخصياً لإلغاء اشتراكه في الصحف في الأرجنتين، وعلى غير عادة سابقيه، الذين كانوا يتنقلون بسيارة ليموزين سوداء فاخرة، ويقيمون في منزل فاره من عشر غرف يطل على ساحة القديس بطرس في الفاتيكان، استقل فرانسيس حافلة صغيرة تابعة للكرسي الرسولي إلى مسكنه المُختار، وهو نُزُل يقع خلف محطة وقود، والذي استمر فيه حتى رحيله.

● كانت أول زيارة رسمية له إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، وهي محطة عبورٍ للاجئين الباحثين عن الهجرة إلى أوروبا، وفي رسالة غير مباشرة إلى المسيحيين الذين يرفضون استقبال اللاجئين، تكفل البابا فرنسيس بإقامة مجموعة من السوريين في روما خلال سنوات الصراع الدائر هناك، ثم أظهر معارضة واضحة للجدار الذي حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تشييده في ولايته الأولى عام 2016، ثم انتقد عمليات الترحيل الجماعي في ولايته الثانية.

الغطاء الواقي من الرصاص

● عندما قام بزيارته الشهيرة إلى الولايات المتحدة عام 2015، شعر أمن الفاتيكان بالقلق الشديد لتخليه عن الغطاء الواقي من الرصاص للسيارة البابوية، حيث استقل سيارة فيات متواضعة، وفتح نوافذ السيارة واختلط بالجماهير.

● في بعض الأحيان، كانت تنتابه نوبات مفاجئة من الانفعال، ففي رحلة إلى الفلبين عام 2015، تجاهل كلماته المُعدة سلفًا، واحتضن بعفوية فتاة صغيرة سألته عن معاناتها مع إهمال الوالدين. وكثيراً ما واجه مسؤولو الفاتيكان صعوبة في احتواء تعليقاته غير المكتوبة.

البابا الدبلوماسي

● مال فرانسيس إلى دور «البابا الدبلوماسي» لا سيما في أمريكا اللاتينية، حيث تجلى تأثيره في تحسن العلاقات بين كوبا والولايات المتحدة في عهد باراك أوباما. بل وفي صفقة سرية لتحقيق انفراج مع الصين، منح الفاتيكان بكين حق اختيار الأساقفة، مع احتفاظ البابا بحق النقض فقط.

● خلف الكواليس، أثبت أنه إداريٌّ حازم، حيث هاجم الفساد داخل البيروقراطية البيزنطية للفاتيكان، رغم أنه لم يستطع منع الدخول في أزمة مالية مع انخفاض التبرعات العالمية وتفاقمِ عجزِ المعاشات التقاعدية، لكنه أجرى تغييرات جذرية في مجمعِ الكرادلة، وحرص على أن يكون المجمع الذي سيختار خليفته أكثر تنوعاً وأقلَّ هيمنة من الأوروبيين.

● اختار الاسم البابوي «فرنسيس» تكريماً للراهب المتجول فرنسيس الأسيزي، الذي عاش في القرن الثاني عشر الميلادي والمعروف بحبه للطبيعة واهتمامه بالفقراء. وبعد اختياره في عام 2013 أصبح أول بابا من خارج أوروبا منذ غريغوريوس الثالث في القرن الثامن الميلادي، وهو البابا السادس والستون بعد المئتين للكنيسة الكاثوليكية الرومانية، أكبر الكنائس المسيحية، التي ترعى حوالي 1.3 مليار كاثوليكي في جميع أنحاء العالم.

● كان البابا فرانسيس، البالغ من العمر 88 عاماً، ثاني أكبر بابا في التاريخ الحديث بعد البابا ليون الثالث عشر، الذي توفي عام 1903 عن عمر ناهز 93 عاماً.