إعداد: محمد كمال
تعتبر أوكرانيا أن الاعتراف بالسيطرة الروسية على شبه جزيرة القرم، بمنزلة خط أحمر، حتى لو كان ذلك يهدد بنسف محاولات الولايات المتحدة لعقد اتفاق، من أجل وقف الحرب الروسية الأوكرانية المتواصلة منذ أكثر من ثلاث سنوات، وذلك على الرغم من سيطرة موسكو على الجزيرة دون قتال عام 2014، ويعود ذلك لعدة أسباب من شبه المستحيل تخطيها في كييف، لدرجة أن البعض شبه خطوة الاعتراف بـ«انتحار سياسي».
وعندما اقترحت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطة سلام تعترف بالحكم الروسي لشبه جزيرة القرم، كان رد كييف هو الرفض القاطع، حيث صرح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأن القيام بذلك يُعد انتهاكاً لدستور أوكرانيا. وأكد أن ذلك لن يحدث أبداً، حتى في مقابل إنهاء الحرب الدموية الدائرة.
انتحار سياسي
وبحسب محللين، ففي أوكرانيا، سيتم النظر إلى الاعتراف الرسمي بالسيطرة الروسية على شبه جزيرة القرم، على أنه تنازل خطر، يؤدي إلى التخلي عن الأوكرانيين الذين ما زالوا يعيشون في المنطقة. كما سيُبدد آمال لمّ شمل العائلات التي فر بعض أفردها المؤيدين لأوكرانيا عام 2014، بينما بقي أقاربهم المسنون أو المؤيدون للوجود الروسي.
ويؤكد نائب رئيس ديوان الرئاسة الأوكرانية السابق كوستيانتين يليسييف، أنه: «لن يُصوّت أيّ سياسي أوكراني لصالح إضفاء الشرعية على السيطرة الروسية في شبه جزيرة القرم». وأضاف: «بالنسبة لأعضاء البرلمان، سيكون ذلك انتحاراً سياسياً».
ويقول ميخايلو ساموس، مدير مركز أبحاث جيوسياسي في كييف إن محادثات السلام قد تتعثر بسبب شرط الاعتراف بالسيطرة الروسية، أكثر من هدنة الخطوط الأمامية، وأضاف: «قضية القرم هي السبب الرئيسي لفشل المفاوضات المحتمل».
ـ «تتار القرم»
ولا تزال ذكريات الضم حاضرة في ذاكرة أوكرانيا، حيث تعارض منظمة تمثل «تتار القرم»، وهي جماعة عرقية ذات جذور راسخة في شبه الجزيرة، الاعتراف بالسيطرة الروسية، وفقاً لمنظمات حقوقية.
وقال رفعت تشوباروف، رئيس مجلس تتار القرم، في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي: «القرم موطن شعب تتار القرم الأصلي وجزء لا يتجزأ من أوكرانيا. ولا أحد، تحت أي ظرف من الظروف، يستطيع أن يقرر مصير القرم سوى الدولة الأوكرانية وشعب تتار القرم».
ـ اتهامات بالخيانة
ويرى المسؤولون الأوكرانيون أن التفاوض بشأن وضع شبه جزيرة القرم يعد أمراً محفوفاً بالمخاطر السياسية. وفي كييف، يتذكر المسؤولون أن أسلافهم الذين وقعوا على تمديد عقد القاعدة البحرية الروسية في شبه جزيرة القرم في عام 2010، قبل وقت طويل من بدء الحرب، حوكموا في وقت لاحق بتهمة الخيانة.
ويشير الأوكرانيون إلى أن الاعتراف من شأنه أن ينتهك المبادئ التي تبنتها أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية والمتمثلة بمعارضة تغيير الحدود بالقوة.
أما أوليكساندرا ماتفيتشوك، المحامية الأوكرانية في مجال حقوق الإنسان والحائزة جائزة نوبل للسلام عام 2022 فتقول بشكل حاسم: «لن يمتلك أي رئيس أوكراني على الإطلاق السلطة للاعتراف بشبه جزيرة القرم، لأنها تم الاستيلاء عليها بالقوة كجزء من روسيا».
الرأي العام
ورغم أنه من الصعب قياس الرأي العام داخل شبه جزيرة القرم، لكن بعد استيلاء روسيا عليها، أعرب العديد من السكان عن دعمهم للانضمام إلى روسيا في مقابلات ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن استطلاعات الرأي الموثوقة نادرة.
وصرحت كايا كالاس، كبيرة الدبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي، أن الاتحاد يعارض الاعتراف الرسمي بسيادة روسيا على شبه جزيرة القرم. وكانت تركيا أيضاً معارضة شرسة للاعتراف، تضامناً مع السكان التتار، وكذلك من أجل مخاوف أمنية بشأن الوجود العسكري الروسي المعترف به في شبه الجزيرة.
بيان الفترة الأولى لترامب
وخلال فترة ولاية ترامب الأولى، أصدرت إدارته أيضاً بياناً رسمياً يعارض الاعتراف، وجاء فيه البيان المعروف باسم «إعلان القرم» عام 2018، أن الولايات المتحدة ستمتنع عن الاعتراف، كما فعلت مع السيطرة السوفييتية على دول البلطيق لاتفيا وليتوانيا وإستونيا خلال الحرب الباردة، وهي السياسة التي سهلت مساعي تلك الدول للاستقلال في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات.
وجاء في ذلك الإعلان أن «الولايات المتحدة تؤكد من جديد سياستها المتمثلة في رفض الاعتراف بمطالبات الكرملين بالسيادة على الأراضي التي تم الاستيلاء عليها بالقوة في انتهاك للقانون الدولي»، وبعد تعرض زيلينسكي لهجوم من ترامب مؤخراً بسبب مسألة القرم، أشار إلى البيان في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي.
ـ ما التطورات الراهنة؟
وأعرب ترامب عن حيرته وإحباطه إزاء رد فعل زيلينسكي، حيث نشر على وسائل التواصل الاجتماعي أن شبه جزيرة القرم «ضاعت منذ سنوات» وأشار إلى أن الزعيم الأوكراني كان يطيل أمد الحرب بسبب حلم بعيد المنال، وأضاف «بإمكانه أن يحصل على السلام، أو أن يقاتل لمدة ثلاث سنوات أخرى قبل أن يخسر البلاد بأكملها».
وعلى وقع الضربات العنيفة المستمرة، هددت إدارة ترامب مراراً وتكراراً بالانسحاب من عملية السلام، حيث كانت أوكرانيا تأمل خلالها في استبعاد مسألة السيطرة على شبه جزيرة القرم من المفاوضات. وسعت إلى وقف فوري لإطلاق النار، وتجميد الصراع على طول خط المواجهة الحالي، إضافة إلى ضمانات أمنية ضد تجدد الهجمات، مثل نشر قوة حفظ سلام أوروبية.
لكن إدارة ترامب رفضت المقترح الأوكراني، وتضمن عرضها الاعتراف بالحكم الروسي في شبه جزيرة القرم، ومنع أوكرانيا من الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو). وفي المقابل، ستتوقف الأعمال العدائية على طول خطوط المواجهة الحالية.
وفي محادثات خاصة، أبدى المسؤولون الأوكرانيون استعدادهم لوقف القتال على خط المواجهة، وقالوا إن الأهم من تحديد خط وقف إطلاق النار هو ضمانات بأن روسيا لن تستغل توقف القتال لإعادة تنظيم صفوفها وتسليح نفسها لشن هجمات جديدة. كما صدر عن الجانب الروسي تحذيرات مماثلة، حول أن كييف قد تستغل الهدنة لإعادة التسلح، لكنها رحبت إلى حد كبير بالمقترح الأمريكي.
تاريخ الانفصال والضم
بدأت عملية الاستيلاء الروسي على شبه جزيرة القرم في عام 2014 عندما استولى جنود روس، يرتدون أقنعة دون إشارات عن هويتهم، على المباني الحكومية والقواعد العسكرية، وذلك دون قتال، حيث انسحب غالبية الجنود الأوكرانيون. ثم تلا ذلك إطلاق روسيا لعملية عسكرية سعت للسيطرة على أراضٍ في شرقي أوكرانيا، واشتعل صراع أودى بحياة نحو 14 ألف جندي ومدني من كلا الجانبين، قبل اندلاع الاجتياح الشامل عام 2022، وفقاً للأمم المتحدة.
وانضمت شبه جزيرة القرم، التي يبلغ عدد سكانها نحو مليوني نسمة، إلى أوكرانيا في التصويت على الاستقلال عن الاتحاد السوفييتي عام 1991. إلا أن المنطقة حافظت على علاقات وثيقة مع روسيا من خلال قطاع السياحة، وكانت غالبية السكان من الناطقين بالروسية، فيما كان القوميون الروس يطالبون بالمنطقة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي.