مراقبة ما يحدث في العالم توضح أن هناك حراكاً على صعيد موازين القوى العالمية، ويشمل أيضاً ما أَطلق عليه عالِم السياسة الأمريكي جوزيف ناي مصطلح القوة الناعمة. والتي تعني في أبسط معانيها «القدرة على تحقيق الأهداف من خلال الجذب وليس الإكراه»، والتي تأتي من ثلاثة منابع رئيسية، تتمثل في السياسة الخارجية التعاونية، والجاذبية الثقافية، وكذلك وجود قيم سياسية معتبرة.
إذا كان هامش القوة الاقتصادية آخذ في الضيق بين الولايات المتحدة والصين منذ سنوات، ومعه يزداد النفوذ الصيني في العالم، ما جعل البعض يقول إن بكين تملأ الفراغات التي لم تعد القوى التقليدية، وعلى رأسها واشنطن، قادرة على المحافظة عليها، فإن متابعة تنامي الحضور الثقافي لدول لم يكن لها أي حضور تقريباً، مقارنة بالحضور الأوروبي والأمريكي الطاغي، يعطي دلالة إضافية على هذا الحراك في مجال القوة الناعمة، والمثال الأبرز هنا يتمثل في الحالة الكورية الجنوبية على أكثر من مستوى.
الإدراك السياسي لأهمية القوة الناعمة يدفع بها، ويشجعها، ومرة أخرى يَبرز هذا الاهتمام في الحالة الكورية، حيث دعا رئيسها الجديد لي جيه ميونغ إلى الالتقاء «بمن لعبوا أدواراً قيادية في تعزيز القوة الناعمة لكوريا الجنوبية وفخرها الوطني، من خلال الارتقاء بثقافتنا إلى مستويات عالمية».
الاهتمام السياسي هذا لا يقف عند مجرد التشجيع والتكريم، وإنما تكون هناك موارد مالية يتم رصدها، وكفاءات بشرية يتم توفيرها وتدريبها، حتى يتم افتتاح المزيد من المراكز الثقافية المعنية بتدريس لغة وثقافة الدولة المعنية في الخارج. والملاحظ التزايد المطّرد في افتتاح هذه المراكز في حالتي الصين وكوريا الجنوبية، جنباً إلى جنب مع التزايد في افتتاح أقسام لتدريس اللغتين في الكثير من جامعات العالم، ووصل الحال ببعض الدول إلى جعل اللغة الصينية ضمن اختيارات الطلاب عند دراسة اللغة الأجنبية الثانية في المرحلة ما قبل الجامعية.
في ظل التقدم العلمي في مراكز القوة الجديدة، اقتصادية كانت أو سياسية، يلاحظ التزايد في إقبال الطلبة الأجانب على الدراسة في جامعات تلك القوى، كما أنها باتت أقدر على تقديم المزيد من المنح لأعداد أكبر من الطلاب الأجانب. يحدث ذلك، بينما اختارت دول، كانت لها الريادة في ذلك المجال، التضييق على الطلبة الأجانب الدارسين فيها، كما حدث مؤخراً في الولايات المتحدة، ووصل الأمر إلى حد ترحيل البعض منهم، والغريب أن ذلك قد جاء تحت دعاوى تتعلق بحرية الرأي والتعبير التي طالما تغنت بها. ووصل الأمر إلى التضييق على بعض الجامعات العريقة في مسألة قبول الطلاب الأجانب، إلى جانب التضييق المالي، كما هو الحال بالنسبة لجامعة هارفارد.
من المفارقات، أن صاحب مفهوم القوة الناعمة قضى جل حياته في جامعة هارفارد، ويبدو أن دولاً كثيرة قد فهمت ما قصده جوزيف ناي بالقوة الذكية التي تعني «التوازن بين القوتين الصلبة والناعمة»، وباتت تعمل عليه، في الوقت الذي تبتعد فيه ممارسات دول أخرى عن هذا الذكاء، سواء في القوة الصلبة أو الناعمة. هذا الحراك البادية مؤشراته، سوف تكون له تداعياته المستقبلية فيما يتعلق بتراتبية القوى من المنظور الشامل في النظام الدولي.
تحولات القوة الناعمة
3 يوليو 2025 00:16 صباحًا
|
آخر تحديث:
3 يوليو 00:16 2025
شارك