الشارقة: رضا السميحين
تُعد المدرسة العثمانية واحدة من أبرز المدارس التي أبدعت في فن الخط العربي، حيث امتزج فيها البعد الجمالي بالدقة الهندسية والرصانة البصرية، لتنتج لنا أعمالاً متميزة بروحها وبصمتها البصرية المتكاملة وقد برع الخطاطون العثمانيون في تطوير أنواع الخطوط، لا سيما خط الثلث والديواني والتعليق، ليبلغ هذا الفن ذروة تجليه في القرون الأخيرة عبر خطوط مثل «النستعليق الجلي»، الذي يُعد من أنواع الخطوط الصعبة لما يتطلبه من انسيابية وتناغم دقيق بين الحرف والزخرفة.
اللوحة المعروضة أمامنا للخطاط مدحت طوباج، أحد الأسماء البارزة في المشهد الخطي التركي المعاصر، وهي لوحة منفذة بخط النستعليق الجلي وتحمل الآية الكريمة: (قَاْلَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِى وَيَسِّرْ لِي أَمْرِى وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى يَفْقَهُوا قَوْلِى) «طه: 25-28» والتي تحمل معاني التيسير والفصاحة، وتُعَدُّ ذات دلالة رمزية في سياق فن الخط، الذي هو في جوهره خطاب بلاغي بصري.
* ميزان
أسلوب التنفيذ في هذه اللوحة يكشف عن مهارة تقنية رفيعة ودراية عميقة بخط النستعليق الجلي، حيث نلحظ امتداد الحروف بانسيابية متقنة، خاصة في الحروف التي تحمل امتدادات أفقية طويلة كحرف «الياء»، والتي تنسجم مع بعضها في توازن دقيق بين الامتداد والفراغات، مع ضبط دقيق للأوزان الهندسية للحروف بما يشكل نوعاً من التناظر عندما تقع عليها عين المتأمل وهو ما يتطلب أنامل متمرسة لضبط هذا التوازن الحروفي.
أما طريقة كتابة الكلمات، فهي تجمع بين الاتساع في المسافات الأفقية، خاصة في الكلمات الطويلة مثل «يفقهوا» وبين التكثيف المدروس في كلمات مثل «أمري» و«صدري»، مما يمنح اللوحة حركة بصرية ساحرة، خصوصاً عند تركيب اللوحة أفقياً على سطرين ويظهر الاهتمام الكبير في البناء البصري الحروفي من حيث ضبط ميل الحروف وزواياها.
* ترف
جاءت الزخرفة المحيطة باللوحة تجسيداً للمدرسة العثمانية في التذهيب والتزيين ونرى الإطار الخارجي المذهب بزخارف نباتية كلاسيكية بألوان ذهبية دقيقة تعانق الخلفية الداكنة، مما يمنح العمل عمقاً بصرياً وشعوراً بالترف الفني، وجاءت الخلفية الداخلية تحمل زخرفة من الزهور بألوان فاتحة ومتناغمة كالأصفر والأحمر والأخضر، لتمنح النص المكتوب لمسات من الرقي الشرقي وأيضاً ساعدت في إبراز الحروف السوداء المتينة في وسط التكوين.
أما ناحية اختيار الألوان، فقد جاء بذكاء بصري يحسب للفنان، فاللون الأسود للحروف يمنحها وقاراً وهيبة، فيما تعطي الألوان الهادئة للزخرفة شعوراً بالسكينة والبهجة للناظرين، وهو انعكاس للمعاني التي تحملها الآية الكريمة عن السكينة ووضوح الخطاب، لتخرج لنا اللوحة كعمل فني متكامل يجمع بين جماليات الحرف وترف الزخرفة، في توليفة تعكس أصالة المدرسة العثمانية وامتدادها في حاضر الخط العربي.
* إضاءة
الخطاط التركي مدحت طوباج المولود عام 1969، يُعد من الأسماء البارزة في جيل الخطاطين المعاصرين، حيث بدأ شغفه بفن الخط بعد مسيرة أكاديمية ومهنية مختلفة، إذ تخرج في هندسة إدارة الأعمال من جامعة إسطنبول التقنية عام 1992، وبعد تجربة في القطاع الخاص والتجارة، وجه اهتمامه نحو فن الخط العربي الذي لطالما أسره بجمالياته، تلقى دراسته الأولى في هذا الفن عام 2004 على يد الخطاط يوسف عز الدين صاو، وتعلم خطي الرقعة والنسخ ثم تابع دراسته مع الخطاط الكبير داوود بكتاش منذ عام 2005، حتى نال إجازة خطية في خطي الثلث والنسخ عام 2009 وجرى منحه الإجازة رسمياً خلال احتفالية نظمها مركز أرسيكا عام 2010، اشتهر باستفادته العميقة من خبرة أستاذه بكتاش في مجالات التصميم ويواصل اليوم تطوير مهاراته في خط التعليق على يد الخطاط تحسين كورت.