حسن إبراهيم النعيمي*
لماذا نحتاج إلى فكر جديد الآن؟ نحن نعيش عصراً تتنازعه التناقضات: قوميات تحولت إلى جدران عزل، ومذاهب أصبحت معسكرات قتال، وحداثة مشوّهة أضعفت الهوية، وأيديولوجيات مستوردة زادت الشعوب تيهاً، فأصبح العقل العربي والإسلامي مشتتاً بلا بوصلة واضحة.
تجربة القرن الماضي أثبتت أن لا الفكر القومي الصلب ولا الخطاب الديني المغلق ولا مشاريع التحديث المتعجلة استطاعت أن تصوغ مساراً جامعاً يليق بشعوبنا، فكل منها عجز عن توحيد الطاقات، وبدلاً من البناء، أسهم في تعميق الانقسامات.
وسط هذا الانسداد التاريخي، تبرز حاجة ملحّة ووجودية إلى فكر جامع يعيد تشكيل العقل العربي والإسلامي في ضوء متغيرات العصر، ويجسّر الهوّة بين الموروث والمعاصرة، بين الدين والمدنية، بين الهوية والانفتاح. فكر لا يقوم على الاستقطاب، بل على الاحتضان، لا على التناحر، بل على التكامل.
الترابط العضوي بين الإسلام والعروبة: لماذا ندمج؟ ليست العروبة والإسلام نقيضين، بل هما في جوهرهما مشروع حضاري واحد.
فالعربية هي الوعاء الذي حمل رسالة الإسلام، والقرآن هو الذي حفظ اللغة العربية ونشرها. وقد عاش الإسلام في كنف العرب، ونمت العروبة في ظلاله، فتكاملت الدعوة والهوية، وتداخل الدين بالثقافة، والرسالة بالوجود.
من هنا، فإن دمج العروبة والإسلام في فكر جامع ليس انتقاصاً لأي منهما، بل استعادة لوحدة عضوية ضيّعتها النزاعات الأيديولوجية المفتعلة، وجعلت العقل العربي أسير ثنائيات مدمّرة (قومي/إسلامي – ديني/مدني – ماضوي/حداثي).
إننا لا ندعو إلى تذويب الهويات، بل إلى صهرها في مشروع نهضوي جامع يستوعب الجميع دون إقصاء.
ما هو «فكر النهضة الجامعة»؟
إنه فكر جديد يولد من رحم المعاناة، ويُبنى على دروس التجربة. فكر عقلاني، إنساني، واقعي، يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويضع الإنسان العربي والمسلم في مركز المشروع الحضاري، من دون أن ينفي الآخر أو يستنسخ الغرب.
هو دعوة لإحياء الأمة، لا عبر شعارات الماضي، ولا بصراعات المذاهب، بل عبر توحيد الطاقات وتفعيل القواسم المشتركة.
مرتكزات فكر النهضة الجامعة:
1. هوية حضارية جامعة، عربية إسلامية إنسانية، تحتضن المذاهب والطوائف والاختلافات كثراء لا تهديد، وتعيد تعريف الانتماء على أساس الشراكة لا الاصطفاف.
2. حرية مسؤولة، تمنح مساحة للعقل والمعتقد، وتوازن بين حرية التعبير واحترام الخصوصيات والكرامات.
3. عدالة تشاركية، ترفع المظلومية عن الجميع، وتُعيد التوزيع العادل للفرص والثروات، بعيداً عن صراعات الطبقات أو الشعارات المؤدلجة.
4. دولة مدنية جامعة، تحكمها المواطنة، وتقف على مسافة واحدة من الجميع، لا تستنسخ نموذجاً غربياً علمانياً، ولا دولة دينية مذهبية.
5. تجديد الفكر الديني، بروح معاصرة، تُركّز على المقاصد الكبرى (العدل، الحرية، الرحمة، العقل)، وتحرّر الدين من هيمنة السلطة أو الجمود.
6. تكامل عربي إسلامي، ليس اندماجاً قسرياً، بل شراكة حضارية حقيقية بين الشعوب والدول، تُبنى على المصالح والثقة لا على الإملاء أو التبعية.
من نخاطب؟ ومن نراهن عليه؟ هذا الفكر لا يخاطب النخبة وحدها، بل يخاطب:
* شباباً أنهكتهم المتاهات الأيديولوجية، ويبحثون عن مشروع جامع.
* نساءً ورجالاً ملّوا الانتظار والتهميش، ويريدون نهضة حقيقية.
* مفكرين ومهنيين يبحثون عن أرضية عقلانية جديدة.
* تيارات دينية متجددة تؤمن بالحوار لا التكفير.
* أقليات تبحث عن شراكة عادلة داخل أوطانها.
كيف نبدأ؟ وما الذي نريده؟ أهداف المشروع:
1. بناء وعي فكري جامع يطوي صفحة الثنائيات القاتلة.
2. تأسيس أرضية صلبة للتعايش والتكامل داخل المجتمعات والدول.
3. إعادة تعريف النهضة كمشروع شامل يبدأ من الإنسان ويعود إليه.
4. تحويل الفكرة إلى تيار اجتماعي فعّال، مؤسسي ومستدام.
خطوات البداية:
* إنشاء منصات حوارية جامعة تُعيد الثقة والتواصل بين الفرقاء.
* إنتاج خطاب إعلامي وفني وثقافي جديد يعيد الثقة بالعقل العربي والإسلامي.
* تأسيس مراكز بحث وفكر تستثمر العقول الشابة والمستقلة.
* دعم تحالفات مدنية عابرة للطوائف والطبقات تعمل على الأرض لا على الورق.
دور جامعة الدول العربية: من النظرية إلى التبنّي
إنّ بلورة هذا المشروع الفكري المتجدد تحتاج إلى حاضنة مؤسسية عربية. وهنا تبرز جامعة الدول العربية بوصفها الكيان الجامع – رغم ما شابه من ضعف – كمنصة محتملة لتبنّي هذا المشروع من خلال إنشاء مركز دراسات الفكر العربي الإسلامي المعاصر، يكون تحت إشرافها المباشر. وقد تكون دولة الإمارات العربية المتحدة من أنسب الدول لاحتضان هذا المركز، لما تملكه من تجربة وحدوية اتحادية ناجحة، وقدرة على إدارة التنوّع بالتوافق، وإرث ثقافي ومؤسسي متقدم، وموقع متقدم في مجال الحوكمة والتحديث.
الخاتمة: دعوة نهوض لا حلم مثالي
إن «فكر النهضة الجامعة» لا يسعى إلى العودة للماضي ولا إلى محو الهويات، بل إلى ابتكار مستقبل يستحقه الإنسان العربي والمسلم. إنه دعوة للعمل لا للتنظير، وللإصلاح لا للهدم، وللنهضة لا للنكوص.
والسؤال ليس: «هل نحتاج إلى فكر جديد؟» بل: هل نستطيع أن نكمل الطريق بهذا الانقسام؟
إن لم نُعِد تعريف مشروعنا الحضاري اليوم... فمتى؟ وإن لم نبدأ بإعادة بناء الذات والعقل والهوية... فمن يفعل عنا؟
النهضة لا تُمنح... بل تُنتزع. والفكر الجديد لا يُفرض... بل يُولد من رحم الحاجة والإيمان.
* مدير عام الأمن الجنائي بوزارة الداخلية سابقاً