منذ تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ارتبط المشروع بطموح يتجاوز حدود التنسيق إلى آفاق التكامل وربما الوحدة. وهو طموح مشروع، تغذيه وحدة التاريخ والجغرافيا والدين واللغة، وتشابه البنى الاجتماعية والثقافية بين دوله.
غير أن هذا الطموح، على وجاهته، لم يُصغ دائماً ضمن إطار مؤسسي قادر على استيعاب الفوارق بين الدول الأعضاء وإدارتها بكفاءة. فبرز مع الوقت نوع من الاندفاع العاطفي نحو تكامل شامل، يقابله واقع متباين يفرض إيقاعاً مختلفاً، ذلك الاندفاع العاطفي أدى إلى دمج المسارات الأمني والسياسي والاقتصادي والبيئي، ما خلق إرباكاً لمسيرة المجلس واستمراريته على نفس الوتيرة، لتنشأ فجوة بين الرؤية والطريقة، وبين الحلم وإمكانات تحقيقه.
لم ينشأ مجلس التعاون كمشروع اقتصادي أو سياسي اندماجي، بل كاستجابة استراتيجية لبيئة إقليمية مضطربة، فرضتها تحولات كبرى في المنطقة، وكان الأمن فيها هو الهاجس المشترك.
وفي هذا الإطار، حقق المجلس نجاحاً واضحاً في مرحلته الأولى، حيث أسهم في تعزيز التنسيق الأمني، وتوحيد المواقف السياسية نسبياً، وخلق مظلة استقرار لدوله، خاصة خلال الحرب العراقية الإيرانية، ثم في مواجهة تداعيات غزو الكويت.
لقد نجح المجلس حين كان يعمل ضمن مجال تتوحد فيه المصالح وتتكامل فيه الرؤى، حيث كان الخطر واحداً، والاستجابة جماعية بطبيعتها.
مع تراجع حدة التهديدات المباشرة، توسعت طموحات المجلس لتشمل مجالات أعمق، أبرزها التكامل الاقتصادي، والسوق المشتركة، والاتحاد الجمركي، بل حتى العملة الموحدة.
غير أن هذا الانتقال كشف عن حقيقة جوهرية، وهي أن دول المجلس، رغم تقاربها، ليست متطابقة. فهي تختلف في نماذجها الاقتصادية، وأولوياتها التنموية، وسياساتها الإقليمية، وتركيبتها السكانية.
وهنا انتقل المجلس من بيئة «الخطر المشترك» التي توحد، إلى بيئة «المصالح المتباينة» التي تتطلب إدارة دقيقة.
لم تكن المشكلة في اتساع الطموح، بل في أن أدوات العمل لم تتطور بالقدر الكافي لمواكبته. فقد استمر المجلس في إدارة ملفات أكثر تعقيداً بآليات صُممت لمرحلة التنسيق، وعلى رأسها قاعدة الإجماع.
ومع أن هذه القاعدة تحمي السيادة وتمنع الهيمنة، إلا أنها تجعل أي تحفظ قادراً على تعطيل المسار الجماعي، خاصة في القضايا التي تتطلب توحيداً تشريعياً أو تنازلات سيادية.
وهكذا، تحوّل الإجماع من ضمانة للوحدة إلى عامل إبطاء، بل أحياناً تعطيل، في مسار التكامل.
إن تجاوز هذا التناقض لا يكون بالتراجع عن فكرة التكامل، ولا بالإصرار على وحدة شاملة غير واقعية، بل بإعادة تعريفه وفق نموذج أكثر نضجاً ومرونة، يقوم على التمييز بين المسارات الاستراتيجية بحسب طبيعتها:
1. المسار الأمني: تكامل كامل (حاجة وجودية)
يتطلب توحيد الاستراتيجيات الدفاعية، وتعزيز التنسيق الأمني، وبناء منظومة ردع جماعي، لأن التهديدات في هذا المجال مشتركة ولا تحتمل التباين.
2. المسار البيئي: تكامل كامل (خطر صامت)
يشمل إدارة الموارد المائية، والأمن الغذائي، والتغير المناخي، وهي ملفات تمس الوجود والاستدامة، وتتطلب استجابة جماعية لا تقل أهمية عن الأمن التقليدي.
3. المسار السياسي: تنسيق مرن (حد أدنى ذكي)
يقوم على تنسيق المواقف في القضايا الكبرى، مع احترام خصوصية القرار الوطني، وتجنب فرض سياسات موحدة غير قابلة للتطبيق في ظل تباين المصالح.
4. المسار الاقتصادي والتكنولوجي: حرية تنافسية (تكامل اختياري)
يُترك لكل دولة تطوير نموذجها الاقتصادي والتقني وفق رؤيتها، مع إزالة العوائق أمام الحركة والتبادل، بما يحول التنوع إلى مصدر قوة وتكامل، لا إلى عائق.
لقد أثبتت التجربة أن الاندفاع العاطفي نحو تكامل شامل، من دون أدوات واقعية، يؤدي إلى التعثر. في المقابل، فإن الواقعية التي تعترف بالاختلاف، وتديره بوعي، قادرة على بناء نموذج خليجي أكثر توازناً واستدامة.
فليس المطلوب أن تتشابه دول الخليج في كل شيء، بل أن تتكامل حيث يكون التكامل ضرورة، وتتباين حيث يكون التباين مصدر قوة، وتلتقي عند المصالح الكبرى التي تصنع مستقبلها المشترك.
مجلس التعاون بين الاندفاع العاطفي والواقعية
25 مارس 2026 00:13 صباحًا
|
آخر تحديث:
25 مارس 00:13 2026
شارك