من المبكّر الجزم بأن المساعي لعقد قمة سلام بشأن أوكرانيا ستحقق هدفها، بلقاء في منتصف الطريق بتركيا بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين ونظيره فلودومير زيلينسكي، لبحث إمكانية التوصل إلى أرضية تساعد على إنهاء الأزمة الخطيرة والمتفاعلة بين البلدين، بعد أن شهدت الفترة الأخيرة تصعيداً عسكرياً لافتاً وتوتراً يتسع إلى قلب أوروبا، ومنها إلى أزمات دولية مفتوحة.
القمة الرباعية المقترحة، ما زالت مجرد فكرة قيد النقاش، وسيحضرها إلى جانب الزعيمين الروسي والأوكراني، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويستضيفها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي توسطت بلاده في ثلاث جولات تفاوضية بين موسكو وكييف، لم تحدث اختراقاً سياسياً كبيراً واقتصرت على البعد الإنساني من خلال اتفاقات لتبادل الأسرى ورفات الجنود الضحايا. ورغم أن الجهود لعقد هذه القمة مازالت في بدايتها، إلا أنه، وفي ضوء ما تشهده الأزمة من تداعيات خطيرة وتهديدات متسارعة، تبقى إطاراً مثالياً لبحث الحلول وجهاً لوجه بين القادة الروس والأوكرانيين، كما أن حضور الرئيس الأمريكي المفترض سيمنحه فرصة نادرة لتحقيق هدفه بإنهاء الحرب التي وعد مسبقاً بفعل ذلك، ولكنه فشل واعترف بأن الوضع معقّد أكثر مما كان يتصور. كما أن اتصالاته المتكررة مع بوتين لم يصدر عنها شيء غير تبادل المجاملات دون التوصل إلى حلول فعلية. كما لم يتفق الرجلان على عقد قمة ثنائية بينهما تتناول إضافة إلى الوضع في أوكرانيا، قضايا دولية موضع خلاف بين موسكو وواشنطن، مثل الأمن في أوروبا والأسلحة الاستراتيجية وأزمة النظام الدولي الحالي.
في هذه اللحظة تقع الحرب في أوكرانيا ضمن مهلة الخمسين يوماً التي حددها ترامب لبوتين لوقف إطلاق النار، قبل فرض عقوبات شديدة. ومن دون تواصل بين الأطراف ذات الصلة بالأزمة، فإن تلك المهلة ستمر ولن تستجيب روسيا للضغوط الأمريكية والأوروبية، بل إنها تتوعد بمواجهة ذلك بتصعيد مضاد قد يصل إلى توجيه «ضربات استباقية». ولكن القراءة المتأنية للمشهد، يتبين أنه لا أحد معنيّ بالتصعيد، والكل يريد مخرجاً مشرّفاً. وقد تكون القمة المنتظرة بداية الطريق لرسم معالم نهاية لهذه الحرب التي غيرت الكثير من المفاهيم والقناعات، وأعادت أوروبا إلى أجواء الحروب الكبرى، وهي التي اعتقدت لعقود أن ذلك أصبح من الماضي ولن يعود، وقد ثبت أن ذلك الاعتقاد كان خطأً واستسلاماً غير حكيم لعالم يشهد تطورات متسارعة وإعادة انتشار للمصالح والنفوذ ومكامن القوة.
قد يكون التوصل إلى نهاية للحرب في أوكرانيا، مثل الحلم في هذا التوقيت، ولكنه أمر ممكن إذا تم بحث أسبابها بجرأة وشجاعة، ومن دون نظرة قاصرة لهذا الطرف أو ذاك. وإنهاء هذه الحرب سيفتح الباب لإنهاء صراعات أخرى في أنحاء الكرة الأرضية، وخصوصاً ما يجري في الشرق الأوسط. كما أن وقفها باتفاق بين كل الأطراف سينزع فتيل حرب باردة جديدة بدأت تتشكل وتبني تحالفاتها في الشرق والغرب، كما سيمنح أوروبا فرصة لالتقاط الأنفاس، ويسمح للنظام الدولي باستعادة توازنه وتصحيح أخطائه بالاتّعاظ مما جرى وما يمكن أن يحدث لو اتسعت الحرب في أوكرانيا وفتحت جبهات بعيدة.