تواجه بريطانيا أزمة سياسية واقتصادية مركبة، وقد تتصاعد بشكل غير متوقع إذا لم يتم التوصل إلى حل بشأن بقاء الحكومة العمالية الحالية برئاسة كير ستارمر أو استقالتها، بعد استقالة عدد من الوزراء ومطالبة نحو 80 نائباً عمالياً من أصل 403 نواب باستقالة ستارمر أو تحديد موعد زمني لرحيله.
انفجرت الأزمة بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها حزب العمال في الانتخابات المحلية الأخيرة التي خسر فيها أكثر من 1400 مقعد في الهيئات المحلية، إضافة إلى فقدان السيطرة على برلمان ويلز للمرة الأولى في تاريخه، فيما سجل حزب «إصلاح المملكة المتحدة» المعارض للهجرة بزعامة نايجل فاراج تقدماً ملحوظاً في شمال بريطانيا وويلز حيث تتمركز الطبقة العاملة المؤيدة تقليدياً لحزب العمال، في حين استقطب «حزب الخضر»، ذو الميول اليسارية، أصواتاً في لندن.
يبدو أن ستارمر لا يعير أذناً للمطالبين برحيله حيث أكد الاستمرار في الحكم، وقال لوزرائه الذين اجتمعوا في «داوننغ ستريت»: «يتوقع الشعب منا الاستمرار في الحكم، وهذا ما أفعله، وهذا ما يجب علينا فعله كحكومة». وأضاف رداً على الدعوات لاستقالته «لدى حزب العمال آلية للتعامل مع تحدي الزعيم، ولم يتم تفعيل هذه الآلية». لكن هناك تكهنات بشأن احتمال تحرك حليفه ويس ستريتيتغ لخوض سباق على زعامة حزب العمال في حال تصاعد الضغوط على ستارمر خلال الفترة المقبلة.
كان الاعتقاد السائد عندما دخل ستارمر «داوننغ ستريت» في يوليو (تموز) 2025 أنه سوف يترأس حكومة مستقرة مدعومة من 403 نواب في مجلس العموم، وهذا يعني أنه يستطيع عملياً تنفيذ الأجندة السياسية والاقتصادية للحزب من دون عوائق، لكن مع مرور الأيام، ومع انفجار الحرب الإيرانية وجد ستارمر نفسه وسط أزمة اقتصادية ألقت بظلالها على بريطانيا، حيث ارتفعت الأسعار وعاد التضخم وزادت البطالة، ومع هذه الأزمة أطلت فضيحة بيتر ماندلسون المرتبط بملف إبستين برأسها على ستارمر بعد تعيينه سفيراً في واشنطن، ولسوء حظه جاءت الانتخابات المحلية في هذا التوقيت وكانت النتيجة الضربة القاضية والهزيمة الساحقة لحزب العمال..
كان من نتيجة هذه الأزمة أن عائد السندات البريطانية لأجل 30 عاماً صعد إلى 8 في المئة، مسجلاً أعلى مستوى له خلال القرن الحالي، والجنيه الإسترليني تراجع أمام الدولار، وهبط أمام اليورو في إشارة إلى انتقال القلق السياسي من سوق السندات إلى سوق العملات، والمستثمرون زادوا من رهاناتهم على بنك إنجلترا بحيث أصبحت الأسواق تسعر بالكامل 3 زيادات في معدل الفائدة العام. ووفقاً لـ«بلومبيرغ» فإن العوامل السياسية والجيوسياسية اجتمعت لتصنع يوماً صعباً في سوق السندات البريطانية.
بريطانيا أمام أزمة حكم مفتوحة وتعيش حالة عدم يقين سياسية طالما أن ستارمر لن يتخلى عن السلطة، وطالما أن الأزمة الاقتصادية والسياسية ستتفاقم، والغموض هنا لا يتعلق بمستقبل ستارمر، بل أيضاً بمن يخلفه والسياسات التي قد يتبناها.
مع ذلك، هناك مخاوف من أن يؤدي استمرار هذا الاضطراب إلى قيام «حكومة شعبوية» بعد انتخابات 2029، في ظل صعود حزب إصلاح المملكة المتحدة بزعامة نايجل فاراج.