على الشاشة سمكة حمراء، توجّه نظرها إلى الإناء الموجودة فيه، مع علامة استفهام بمثابة نص وحيد، لقد غيرت الصورة الملأى بالفلاتر نظرتنا بشكل نهائي منذ ظهور إنستغرام، كما تمارس عين السمكة المستديرة تأثيراً تنويمياً مغناطيسياً على الحضور، يتكلم رجل على منصة وأمام جمهور، عن السمكة الحمراء، عن ذلك الكائن الغبي الذي يدور من دون توقف في إنائه الزجاجي، لقد وضعه البشر هناك وهم متأكدون بأن ذاكرة هذا الحيوان بدائية، وأن انتباهه متدنٍ جداً، بحيث أنه يكتشف عالماً جديداً في كل دورة له في الإناء الزجاجي.

ذاكرة السمكة الحمراء بدلاً من أن تكون لعنة، تشكل بالنسبة لها نعمة، تحول الدوران إلى عالم متجدد كل مرة، كما تحول ضيق سجنها إلى عالم فسيح، فهل ذاكرة السمكة الحمراء الشهيرة هذه مجرد أسطورة؟ العديد منا لم يطرحوا على ذاتهم هذا السؤال، إذ يرضون ببساطة أن يكون بحوزتهم تعبير يستخدمونه، عندما يريدون الاعتذار عن لحظة عدم الانتباه.
لكن جوجل لا تعرف حدوداً لامتداد حسابها الرقمي، وبالتالي فقد أعلن المحاضر أن مؤسسته نجحت في حساب زمن الانتباه الفعلي للسمكة، وهو بالفعل زمن هزيل، فالسمكة عاجزة عن تركيز انتباهها لما يتجاوز 8 ثوانٍ وبعدها تنتقل إلى شيء آخر، ويبدأ عالمها الذهني من الصفر من جديد.
لم تنته تصريحات الرجل، إذ نجحت حواسيب جوجل في تقدير مدى انتباه جيل الألفية، أي أولئك الذين ولدوا وهم على اتصال دائم، وكبروا مع شاشة تلمس بأطراف أصابعهم، يعلن المحاضر أن مدى الانتباه وقدرة هذا الجيل على التركيز لا تتعدى 9 ثوانٍ، بعد هذه الثواني ينفصل ذهنه عن موضوع تركيزه، إنه يحتاج إلى مثير جديد وتعليمات جديدة، بدءاً من الثانية العاشرة، أي بالكاد ثانية واحدة أكثر من السمكة الحمراء.
تقنيات التواصل

 


من هنا يندرج كتاب «برونو باتينو» وعنوانه «حضارة السمكة الحمراء» (ترجمة وتقديم د. مصطفى حجازي) ضمن التيار النقدي لتقنيات الاتصال والتواصل الاجتماعي، والذي أخذ يتنامى في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، فبعد مرحلة طوباوية البدايات في تسعينيات القرن العشرين، التي ميزت الآباء المؤسسين لتقنيات الاتصال، حيث كان الأمل كبيراً في إقامة منظومات تواصل كوني، تصل إلى الجميع ويستفيد منها الجميع في مناخ من حرية التبادل والتشارك في نشر المعرفة، ووصولاً إلى تأسيس نهضة بشرية فعلية من الشراكة الإنسانية والذكاء الجمعي.
بعد هذه الطموحات بدأت تتجلى شيئاً فشيئاً سلبيات هيمنة تقنيات الاتصال والتواصل على حياتنا، إذ تحولت إلى أن أخذت المستخدمين لها رهائن، دافعة إياهم إلى الإدمان، في عملية قرصنة للأدمغة وتحويلهم إلى سجناء للشاشة على مدى ساعات اليوم، كما تحول مشروع البداية الطوباوي للشراكة الإنسانية في المعلومات والمعرفة إلى مشروع ربحي للعمالقة الخمسة، الذين يمتلكون هذه التقنيات ويترأسون مجالس إدارتها، من خلال تخزين أكبر قدر من بيانات المستخدمين واستغلالها إعلانياً وتجارياً وأمنياً، وهو استغلال لمليارات البشر، ويدر سنوياً مليارات طائلة لهؤلاء العمالقة.
يشير الكتاب إلى أن الثورة الرقمية هي قوام ثورة ما بعد الحداثة، وهي بصدد تغير يشكل تحولاً نوعياً هائلاً على صعد الإنتاج والمؤسسات والعلاقات، وخصوصاً على صعيد مفهوم الإنسان ذاته، إذ أخذ العلماء يتحدثون عن التحول من الإنسان العاقل، الذي يتصف به نوعنا البشري خلال تطوره الطبيعي المديد إلى الإنسان الرقمي، ومن تطور طبيعي للإنسان خلال عشرات آلاف السنين إلى أنه يربطك بقاعدة معلومات جوجل المتجددة المتنامية على الدوام، حيث أصبحت البشرية تنتج راهناً خلال أسبوع كمية معلومات موازية لما انتجته منذ اختراع الكتابة، ويبلغ المخزّن منها رقمياً نحو 98% مما يمكن الرجوع إليه في كل ما يخطر بالبال، وهي رقمنة تحيط بالحياة البشرية، يضاف إليها طائفة لا تحصى من وظائف المعلومات والتواصل على شاشة هاتف أبل ذكي: طقس، موسيقى، جرائد، تقويم شمسي لمدة 50 عاماً، حاسبة، بوصلة، كاميرا تصوير، إنترنت، فيسبوك والقائمة تطول، إضافة إلى وظائف الهاتف المحمول على صعيد مراقبة الصحة الجسدية، ورصد تحولاتها من خلال الرقائق التي تلصق على الجسم.
قد يكون الأخطر من ذلك المراقبة الأمنية، والتجسس على الشخص، حيث يمكن معرفة أين أنت، ومع من تجتمع وتتواصل، وماذا تقول أو تفعل حتى من خلال المحمول ولو كان مغلقاً، فأنت مراقب ومكشوف على الدوام، إضافة إلى تخزين بياناتك الرقمية، واستخلاص بصمتك الرقمية، من خلال الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي.
هكذا أصبح الشخص المستخدم لهذه التقنيات مكشوفاً، بل وعارياً في سلوكياته وعلاقاته ودوافعه وانفعالاته وقيمه وتوجهاته، إنها العبودية الطوعية لهذه الأجهزة الرقمية، يقبل عليها عن طيب خاطر، مما أصبح يطلق عليه تسمية (سجناء فقاعة الشاشات الرقمية).