هل تظن أن القلم بالغ حين تندّر أمس بكثرة استخدامات «لو» في العربية؟ التعقيدات القواعدية تفشّت خارج العالم العربي، وانتقلت إلى ديار غيرنا من المسلمين. في سنة 1978، نال الباكستاني محمد محمد عبد الجواد حسّانين درجة الدكتوراه على أطروحته: «أوجه استعمال «لو» في الأساليب العربية»، من جامعة البنجاب في لاهور. هو حصيف ظريف، قال «في الأساليب العربية» ولم يقل «في اللغة العربية». هذا دليل آخر على أن النحاة غرفوا من مناهل الشعر والنثر الكثير من القواعد، اغترفوا ولم يعترفوا. أوهموا الأجيال بأن الشواهد هي القواعد، وأن الشعر ومذاهبه هي مصدر التشريع النحوي. محض ضحك من الذقون، لكن، ما هكذا يا نحوُ توردُ الشوارد.
سننأى عن المشهد حتى نراه أقرب من أرنبة الأنف. سنزور معازف الموسيقى، لندرك معنى استنباط القواعد النظرية من أساليب الإبداع الفني. تخيّل استنتاج النظرية من «الجاز»، اليوم يسود القارات، لكنه عند ظهوره سنة 1920، كان مرفوضاً منبوذاً من النقّاد المتعصبين لقيم الموسيقى السيمفونية. هل يجب استقاء القواعد من الإنشاد الجريجوري في القرون الوسطى؟ أم من باليسترينا في عصر النهضة؟ أم من باخ الذي ليس بيتهوفن ولا شتوكهاوزن؟ ممّن في الموسيقى العربية، من شاكر أفندي الحلبي، ألمظ وعبده الحامولي؟ القبنجي أم السنباطي، الرحابنة؟ أم أحمد عدويّة؟.
وقواعد التشكيل؟ هل تُستمد من رامبراندت، أم فان جوخ، أم بيكاسو، أم الفن التجريدي والملصقات؟ ما لك صامتاً؟ ممّن يجب استخراج قواعد الإخراج السينمائي؟ من أفلام شابلن الصامتة، من هيتشكوك، أم فلليني، أم جيمس كاميرون (أفاتار). الفنون متحولة غير ثابتة، فلا تصلح لتشريع القواعد. بعد هذا التطويح، النحاة أقاموا القواعد على رمال متحركة، بدليل أنهم تفرقوا بصريين، كوفيين، بغداديين، أندلسيين، مصريين. حتى الساعة لم تُحلّ خلافاتهم، فهل لهم أن يتخيلوا استخراج القواعد من بانوراما مدارس الشعر عبر العصور؟ من نصوص الحداثويين مثلاً؟ أم أن يثوبوا إلى المنطق ويفحمونا، ولو بالفحم الحجري، بأن النحاة لم يكن أمامهم من سبيل إلى وضع القواعد غير ورطة دمج البلاغة في النحو؟ أشهر قضية في تاريخ النحو العربي هي «المسألة الزنبورية»، بين سيبويه والكسائي. سأل الأخير: «كيف تقول: كنت أظن أن العقرب أشدّ لسعةً من الزنبور، فإذا هو هي، أم: فإذا هو إيّاها؟». استخدم الكسائي النفوذ السياسي للانتصار على سيبويه. دعا أعراباً وأمرهم بالانحياز إلى رأيه!
لزوم ما يلزم. النتيجة الاستنساخية: على هوى الكسائي، كنت أظن أن «شات جي بي تي» أفضل أداءً من «ديبسيك»، فإذا هو إيّاه. يا سلام.
[email protected]