استطلعت «الخليج» آراء مجموعة من نخبة الباحثين حول إشكاليات قراءة كتب التراث العربي والذين أجمعوا على ضرورة الحفاظ على روح النص وأصالته، مع السعي إلى تبسيط اللغة وأساليب العرض بما يتناسب مع احتياجات الأجيال الشابة، وأكدوا أن الوصول إلى توازن دقيق بين الأمانة العلمية ووضوح الطرح يمثل العامل الأساسي لنجاح هذه المهمة الثقافية الحيوية.
يؤكد الباحث في التراث فهد المعمري أن قضية تبسيط قراءة كتب التراث العربي ليست وليدة العصر الحديث فحسب، بل تعود جذورها إلى تطورات عاشها العالم الإسلامي قبل عدة قرون، إذ شهد القرنان السابع والثامن الهجريان تراجعاً نسبياً في قوة اللغة العربية، انعكاساً لتشظي الدول الإسلامية إلى دويلات غلب عليها الطابع غير العربي، رغم ذلك، يقول: إن حكام هذه الدويلات ومنهم السامانيون والغزنويون والسلجوقيون، كانوا أنصاراً للعلم ورعاة للعلماء، فاحتضنوا قامات كبرى كابن سينا والبيروني.
بيئات جديدة
يبين المعمري أنه في مثل هذه البيئات الجديدة التي لم تكن العربية لغتها الأم، بدأت المؤلفات تميل إلى التبسيط نسبياً خاصة في علوم النحو والصرف واللغويات وتبرز تجربة الثعالبي في كتابه الشهير «فقه اللغة وسرّ العربية» كمثال بارز على هذا التحول، إذ أن الثعالبي انتهج أسلوباً أكثر وضوحاً وسلاسة من سابقيه، مما جعل كتابه أكثر يسراً للدارسين وبالانتقال إلى القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث تواصلت جهود التيسير وبرزت أعمال تعليمية حملت عناوين مباشرة ك«النحو الواضح» و«البسيط في علم الصرف»، تميزت بتبسيط العرض عبر الجداول والملخصات من دون المساس بعمق المادة العلمية.
ويرى المعمري أن التبسيط لا يجب أن يكون على حساب الأصل أو الجوهر، فالنص التراثي في رأيه بناء متكامل يشبه المنزل: بإمكاننا تغيير الزينة أو ترتيب التفاصيل الخارجية، لكن الأساسات يجب أن تبقى ثابتة ويحدد مسارين للتعامل مع هذا الإرث: الأول تحقيق النص والشرح عبر الهوامش للتوضيح دون تحوير والثاني إعادة صياغة العلوم بشكل ميسر للطلبة متجاوزاً التعقيد ولكن محفوظ الجوهر ويخلص المعمري إلى أن القارئ اليوم يجد نسختين في المكتبات: إحداهما النسخة المحققة والثانية مبسطة وهو ما يعكس ثراء التفاعل العلمي مع التراث ويتيح للمجتمع معايشة تراثه بلغة عصرية دون فقد أصالته.
وثيقة
بدوره يقول الشاعر الدكتور خالد الظنحاني إن تبسيط لغة كتب التراث العربي بحاجة إلى رؤية منهجية تحافظ على روح النص وتجعله في الوقت نفسه ميسر التناول وموثوق المعنى للأجيال الجديدة ويعتبر أن النص التراثي هو وثيقة فكرية وثقافية لا يجب التعامل معها بعشوائية أو اختزال يشوه بنيتها الفنية ومغزاها التاريخي، بل ينبغي تقدير قيمتها بوضع شروح مناسبة في الهوامش أو الحواشي لشرح المصطلحات والمعاني الدقيقة.
وينوه د.الظنحاني إلى أهمية تكامل الفريق الذي يتصدى للتبسيط، مطالباً بأن يجمع بين المتخصصين في اللغة وخبراء التراث والتاريخ حتى تكون عملية إعادة الصياغة وفهم النص منسجمة مع روحه ومقاصده الأصيلة.
ويرحب الظنحاني بفكرة إصدار نسختين من الكتاب التراثي: نسخة أصلية محققة تراعى الأمانة العلمية، ونسخة مبسطة تحقق انتشاراً أوسع وتجعل المادة متاحة لفئات مختلفة من دون إضعاف القيمة الأدبية أو تشويه الصور البلاغية.
ويعتقد الظنحاني أن النتائج الإيجابية لتبسيط التراث كبيرة إن جرت بوعي ومسؤولية: إذ تعيد علوم الماضي وأدب القرون إلى فضاء الحاضر ومناهجه وتحفز الطلاب والشباب على القراءة والبحث ويصبح للتراث مكان جديد في الحوار الثقافي اليومي، لكنه ينبه إلى خطر التبسيط السطحي أو المبالغة في التدخل وهو ما قد يفقد النص روحه ويبعد القارئ عن أساليب الكتابة القديمة، بحيث يصبح الماضي مجرد «مضمون منزوع الروح»، معتبراً أن التبسيط فن دقيق بين الأمانة والوضوح، يستهدف وصل الماضي بالحاضر دون اجتزاء أو محو للهوية الثقافية العميقة التي يحملها النص التراثي العربي.
مشروع
في السياق ذاته، يشرح الباحث الدكتور حمد بن صراي من خلال خبرته الميدانية والأكاديمية أن نصوص التراث العربي، من أدب وعلم وتاريخ، يجب أن تعاد إلى الواجهة بلغة ميسرة ويؤكد أن الغموض أو التعقيد في صياغة المفردات يقف حاجزاً أمام قدرة الجيل المعاصر على استيعابها وتذوق جمالياتها، مؤكداً أن التراث العربي جزء من الموروث الغني والذي يحتاج إلى شرح وتوثيق كي يصل للجيل الناشئ بلغة تناسب واقعهم وثقافتهم. ويركز د. صراي على أهمية الوسائل البصرية والرواية المصورة والعروض التفاعلية في تقريب مادة التراث من الطلاب، مستشهداً بنماذج ناجحة ككتب الكائنات الخرافية في التراث ويشير إلى دور الفعاليات الثقافية في نقل التراث بأسلوب يجعل المعلومة أكثر قبولاً وتحبيباً للأجيال الناشئة، لكنه في الوقت ذاته يشدد على أن هذه العملية تتطلب خبراء متخصصين يجيدون التعامل مع المصطلحات والتركيبات القديمة وعمل لجان علمية قادرة على تقديم المادة برؤية تجمع بين الإتقان اللغوي وفهم أساليب التراث.
وينبه د. حمد صراي إلى أن مسؤولية نقل التراث المبسط تتجاوز الجهود الفردية لتصبح واجباً على المؤسسات والجهات المعنية بالثقافة، فدور الدول في رعاية مشاريع التبسيط والدعم الرسمي سيضمن للتراث العربي انتشاراً وتأثيراً أوسع وسيكون أكثر فاعلية من الجهود الشخصية مهما بلغت من اجتهاد، ويختم بالتأكيد على أن استعمال التراث في منظور معاصر هو السبيل لجعله حاضراً في الهوية الجمعية للأجيال الجديدة ومصدر إلهام ثقافي مستمر.
لغة معاصرة
من جانبها تؤمن الباحثة والكاتبة فاطمة المزروعي بأن تبسيط لغة التراث العربي للأجيال الحالية مهمة ذات أبعاد ثقافية ومعرفية عميقة وترى أن الكتب التراثية أشبه بجذور راسخة لوعي الأمة وفكرها وهويتها، فهي تجمع في طياتها علوم الدين والأدب والفلسفة والتاريخ، إلا أن صعوبة لغتها تمثل فجوة حقيقية أمام الجيل الراهن الذي تعود على الأساليب الحديثة السريعة والمباشرة في التعبير.
وتشدد فاطمة المزروعي على أن الهدف من التبسيط ليس تبديل النص أو تحويله لنص معاصر منبت الجذور، بل تقريب المعنى عبر التوضيح والإيضاح مع إبقاء النص الأصلي قدر الإمكان. تقترح لذلك استخدام الهوامش والشروح بعد الفقرات، بالإضافة إلى إعادة صياغة بعض المقاطع بلغة عربية معاصرة تعرض إلى جوار النص القديم، ليجد القارئ نفسه أمام خيارين، فيستمتع بجمال الصورة القديمة ويفهم معناها بأسلوب جديد إذا استعصى عليه الأصل.
وترى في التقنيات الحديثة، الفيديو، الرسوم، الخرائط الذهنية، فرصة عظيمة لتحويل قراءة التراث من جهد شاق إلى متعة تفاعلية، خاصة إذا تم تقديم النصوص بتدرج يسهل الصعب ويزيد الثقة اللغوية.
وتوضح فاطمة المزروعي أن الفوائد ستكون بالغة الأثر: إذ سيعود التراث مادة حية يسهل الوصول إليها ويتقوى انتماء الشباب للغتهم وهويتهم وتُستعاد التراكيب والمفردات العربية الأصيلة المنسية.
لكنها تحذر من مخاطر التبسيط السطحي أو غير المدروس، الذي قد يفرغ النص من روحه وجماله ويجرد المعاني من دلالاتها الدقيقة وقد يعتاد القراء الجدد على النسخ المبسطة فيميلون إلى ترك النص الأصلي وتختم بأن نجاح تبسيط لغة التراث مرهون بوعي القائمين عليه وبقدرة المشروع على إيجاد التوازن بين وضوح الفكر وجمال الأسلوب، ليبقى التراث رابطاً بين ماضي الأمة ومستقبلها، مصدر معرفة وإلهام وليس مجرد سطور جامدة في كتب قديمة.