قبل سنوات على رحيله، كان خيري منصور يحكي قصّته مع محمود درويش حين كان الاثنان يستقلان تاكسي أجرة في أحد شوارع عاصمة عربية وكان درويش يجلس في المقعد الأمامي ويتحدث إلى خيري الجالس في المقعد الخلفي، الأمر الذي يتطلب من درويش أن يدير جسده إلى الخلف من وقت إلى آخر، وعلى ما يبدو أن سائق التاكسي أخذ يتذمّر من وضع درويش، فقال له: لو سمحت يا أخ لو أنك تجلس جيداً وأنت تتحدث ودائماً تدير وجهك وجسدك إلى صاحبك هذا الجالس في الكرسي الخلفي.. لكي أعرف أسوق بشكل جيد.
يقول خيري في حكايته إن درويش لحظتها قال له:.. والله يا خيري يبدو أنه أنا وأنت مش ما بنعرف نسوق سيارة فقط، إحنا بنعرفش نجلس كمان.
قصّة تداولها البعض من الكتّاب العرب على ذمّة خيري منصور وهي حكاية مُرّة تماماً مثل مرارة ذلك السائق الجاهل الذي لم يكن يعرف أنه كان يحمل في سيارته واحداً من أهم شعراء التاريخ، وها هو شاعر ونجم كبير يزعج سائقاً نكرة لا يعرف الجلوس في مقعد السيارة.
هكذا، إذاً، كثير من الشعراء والفنانين والرسّامين وكتّاب الصحافة والأدب والفلسفة والتاريخ، لا يعرفون قيادة السيارات، بل لا يعرفون كيف يجلسون إذا تعلّق الأمر بسائق مثل سائق درويش وخيري منصور.
على الوجه الآخر من هذه الحكاية التي تؤشر على بؤس الثقافة في الشارع العربي الشعبي وأحياناً حتى في بعض من الشارع الرسمي الذي يُسمى النخبوي، أعود بالقارئ إلى إحدى مقالات محمد الماغوط القديمة التي كان يكتبها في الثمانينات، فهو يحكي قصة مشابهة لقصة سائق درويش ومنصور، لكنها حدثت مع شرطي في أحد شوارع باريس.
هنا أتذكر تلك المقالة القديمة، وألتقط ما تبقى منها في الذاكرة. يقول الماغوط إنه ضيّع عنوان الفندق الذي كان يقيم فيه في باريس حين زارها للمرة الأولى في حياته، وإذ الْتَبَسَ عليه الأمر وشعر بالضياع توجه إلى شرطي كان يقف على ناصية شارع وسأله عن مكان الفندق، وحين عرف الشرطي أن مهنة الرجل الذي يسأله عن الفندق هي «كاتب» من خلال جواز سفر الماغوط، راح الشرطي يؤدي التحية للكاتب، الأمر الذي فاجأ الماغوط، بل أكثر من ذلك أدّى الشرطي التحية للماغوط، كما يقول، مرّتين، مرّة حين قال له الماغوط إنه شاعر، ومرّة، حين أوضح له أنه يزور فرنسا لأول مرّة، وأنه غريب هنا في هذه الديار.
ويبدو أن الماغوط زاد قليلاً من البهارات على مقالته، إذ يقول إنه بعد هذه الواقعة مع الشرطي، أخذ يتجوّل في باريس، ويفتعل دائماً حكاية ضياع عنوان الفندق، لكي يشبع تحيات من الشرطة، ويشبع كرامة، كما قال.
