القاهرة: «الخليج»
يستطيع المخ البشري القيام بالمعالجة المتزامنة لمجموعة متنوعة من الأفعال المعقدة، حيث تقوم آلاف الأميال من الشبكات العصبية، بما تتضمنه من تعقيدات لا نهائية، بتلقي مدخلات حسية عبر حواسنا، وتخزين هذه المعلومات، وتذكرها عند الحاجة، إذ يقوم بكل ذلك جنباً إلى جنب، مع قيامه بتنسيق كل الأنشطة الخاصة بالحفاظ على الحياة، غير أن المخ ليس مجرد آلة لمعالجة المعلومات، فهو بعد كل هذا العضو الذي يسمح لنا باتخاذ القرارات والتحكم في غرائزنا الانفعالية والتخطيط لمستقبلنا، والتأمل في معنى النثر والشعر، والشعور بالفرح عند رؤية طفل حديث الولادة.
باختصار، فإن المخ هو العضو الذي يجعل منا بشراً، بل إنه الذي سمح بوجودنا البشري أو دعمه على أقل تقدير، وعلى سبيل المثال أشار عالم الأعصاب إلخونون جولدبيرج إلى أنه يمكن عزو قدرة الحضارات البشرية على التشكل والازدهار إلى ما تفرد به المخ البشري الحديث من قدرات بارزة.
في كتاب «بيولوجيا السلوك الإجرامي.. تفاعل الجينات والمخ والثقافة» لمؤلفيه أنتوني وولش وجوناثان دي بولن، ترجمة أحمد موسى، نرى أنه في ظل الضغوط التطورية القوية تطورت أمخاخ البشر، رجالاً ونساءً، بطريقة مختلفة إلى حد ما، وعلى سبيل المثال لا يعد من قبيل المصادفة أن جنس الرجال، وليس جنس النساء، كان الأكثر مشاركة في وطيس المعارك والعنف والجريمة، وذلك في كل ثقافة، وكل حقبة زمنية من حقب التاريخ.
ولا يعد من قبيل المصادفة أن حازت المرأة المسؤولية الأساسية لرعاية النسل عبر جميع الثقافات، ومع ذلك فإن التفسيرات المعاصرة لهذا النمط الراسخ من الفروق المتصلة بالأدوار الجنسية، تدور بين تفسيرات عبثية وأخرى شديدة الركاكة، ولحسن الحظ فقد تناول وولش وبولن هذا الموضوع مشيرين إلى المسائل التي جرى تجاهلها في سياق المناقشات السياسية الخاص بحقوق المرأة والرجل، أي تلك المسائل المتعلقة بأن الفروق بين الرجال والنساء إنما تعد فروقاً فطرية.
*بيئة ومحيط
يقوم وولش وبولن هنا عند مناطق التقاطع القائمة بين الثقافة وعلم البيولوجيا، بسبر أغوار أراض جديدة مثيرة للجدل، ومع التسليم بعدم تحلي كثير من العلماء بالشجاعة فقد قام وولش وبولن باستعراض ما نعرفه عن الذكاء البشري، وعلم الأمراض النفسية البشرية ومشكلات الإدمان البشري، على نحو يبين أن المخ إنما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمحيطه البيئي المباشر، وأن لهذا المحيط في بعض الأحيان القدرة على أن يؤثر للأفضل أو الأسوأ في عمل وظائف المخ وكيميائه، وقد تبين أن فهم المكون البيولوجي يسمح لنا كذلك بأن نفهم كيف ومتى تقوم المحددات البيئية بالعمل وبدقة كمسببات للجريمة وغيرها من المشكلات السلوكية.
حققت العلوم العصبية خطوات بارزة، وخاصة في ما يتعلق بفهم آليات عديد من القضايا موضع اهتمام علماء الإجرام مثل إدمان المخدرات واضطراب قصور الانتباه، فرط الحركة، وضبط الذات المنخفض.
يقدم الفصل الأول من الكتاب بعض المعلومات الأساسية عن بنية المخ ووظائفه، وينبه القارئ إلى حقيقة أننا ندرس الأساس البيولوجي العصبي للسلوك الإجرامي من منظور بيولوجي اجتماعي، استرشاداً بما جاء به نيكولاس تينبرجن في سياق وصفه لمناطق في المخ، تعد غاية في الأهمية لفهم السلوك، والعملية التي يقوم المخ من خلالها ببرمجة نفسه وفقا لما يتعرض له المرء من خبرات بيئية.
يقدم الكتاب لمفهوم التطور الوراثي الثقافي المشترك، والطرق التي تقوم هذه العملية من خلالها بالتأثير في تطور المخ، كما يعرض بإيجاز للأساليب التكنولوجية المستخدمة في العلم العصبي من قبيل: التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، وغير ذلك من أساليب تستخدم في تقييم بنية المخ ووظائفه وتكامله.
تمثل الكيفية التي تقوم من خلالها مناطق المخ بالتواصل مع بعضها بعضاً، ومع العالم الخارجي، عبر ناقلاتها العصبية، وجزيئاتها الخاصة بالاستقبال والنقل، محور عناية أحد فصول الكتاب، وقد أولى الكتاب عناية خاصة بالناقلين العصبيين: السيروتونين والدوبامين، لأنهما يمثلان المادتين الكيميائيتين الكامنتين وراء سلوك الإقدام والإحجام، وينطوي العديد من المشكلات المتصلة بالسلوك الإجرامي على اختلال التوازن بين وظائف التنشيط والكف السلوكي الخاصة بهذين الناقلين العصبيين.
*ارتقاء
يلقي الكتاب الضوء على آثار الإساءة والإهمال على ارتقاء المخ، ويمكن للإساءة والإهمال أن تكون بدايتهما في الرحم، حال كانت الأم تتعاطى المواد المشوهة للأجنة، مثل الكحول، تلك المواد التي تؤثر في هجرة الخلايا العصبية الناشئة الجديدة وترابطها، ويقوم الكتاب بمناقشة أهمية ارتقاء المخ في تشكيل الروابط الوجدانية الخاصة بالحنان والرضاعة الطبيعية، وهي ما تعد من قبيل الملامح المتوقعة.
نصب اهتمام الكتاب على محاولة الكشف عن السلوك الإجرامي من منظور بيولوجي عصبي اجتماعي متكامل، متجاوزاً التركيز على طرح نظري وحيد، ويشدد على ضرورة فهم بعض الجوانب الوراثية العصبية، بطريقة مبسطة تخلو من التعقيد، من أجل الإحاطة بالمفاهيم ذات الصلة بقضايا الجريمة، وما يترتب عليها من تطبيقات، كما يقدم معلومات حديثة عن الدوائر العصبية بالمخ، وصلتها بالسلوك الإجرامي.