مثّلت الوحدة العربية طويلاً حلماً يرتبط تحققه بالخلاص من كثير من معوقات التنمية في دولنا والانطلاق نحو المستقبل بجهود مشتركة يعم خيرها على الجميع. وربما لا يزال لهذا الحلم موقع عند البعض، رغم ارتباط تحققه في تجارب متنوعة بمشكلات أجهضتها مبكراً، وربما زادت الشقاق بين الأطراف المتحدة، على عكس ما ذهبت إليه النوايا أو قصدته محاولات تحويلها إلى نجاحات في الواقع.
وباستثناء التجربة الإماراتية التي تحررت منذ بدايتها من عوامل الإجهاض المبكر، لم تدم نماذج الوحدة العربية الجزئية، أي بين دولتين أو أكثر، وبالتالي انغلق الطريق على الاتحاد الكلي الذي يمثل إطاراً شاملاً لكل الدول. ويبدو أن هذا الطريق لن ينفتح أبداً، ما لم تحدث معجزة، رغم أن الحالمين بالسير فيه، على قلتهم، لا يزالون مؤمنين بأن بين الدول العربية من عوامل الوحدة ما هو أقوى وأوفر مما لدى دول الاتحاد الأوروبي التي تفرّق بينها لغات ونظم اقتصادية، لكنها لم تمثل حدوداً تُباعد بينها.
حلم الوحدة العربية، رغم أنه تجسد في شعارات وأدبيات شاعت وترسخت خلال ستينات القرن الماضي، تآكل مع تكرار فشل تجاربه الذي كان وراءه، في معظم الأحوال، أسباب شخصية تتصل بصراعات على السيطرة على النموذج الوحدي. ونالت من هذا الحلم أيضاً مراحل الافتراق السياسي، خاصة مع ظهور بدايات الاتفاق مع إسرائيل، غير أن النهاية القاصمة جاءت مع احتلال صدام حسين الكويت، وهو الحدث الذي أخجل كل حالم بالوحدة، خاصة مع إتيان الخطر من حيث لا يُتوقَّع، وصعوبة اندمال جرح الشقيق الذي جرّ بَعده جراحاً ألمت بالمنطقة كلها، وأبرزها ما تسبب فيه تمدد إقليمي في بعض البلدان العربية لا تزال آثاره تتفاعل.
ما يمكن أن يُعَزِّي قليلاً أن التعاون العربي، رغم كل ذلك، لم يندثر، وإن اتخذ شكلاً عملياً يمكن تسميته بالتكامل بين بعض الدول. والتكامل ليس فكرة جديدة، إذ طرحها مفكرون ومسؤولون عرب، لكنها لم تكن يوماً بحضور فكرة الوحدة، وجوهرها الاستفادة المتبادلة من الإمكانات المتوفرة في الدول العربية، بحيث تعزز كل منها قيمة ما تملكه من ثروات وميزات، لتستفيد منها بقية الدول، بشكل لا يتأثر باختلافات السياسة، ولا أهواء الساسة.
هذا التكامل أمكن اختباره في مراحل سابقة قريبة، حين نأت مشاريع اقتصادية مشتركة أو استثمارات لدول عربية في أخرى عن مسار الاختلاف حول بعض القضايا، وهو نضج لم يكن متوفراً في زمن المناداة بالوحدة. كذلك، ارتبط هذا التكامل بمقاصد سياسية مباشرة، ومنها دعم التحولات في بعض الدول العربية بما يعني ذلك من رسائل للمتربصين بها، ومن طمأنة لشعوبها في لحظات خطر.
هذه الاستفادة المباشرة لكل الأطراف ليست نقيصة، كما يزعم البعض، بل هي جوهر ديمومة انتفاع الجميع بشكل حقيقي لم توفره أحلام الوحدة الموؤودة.
التكامل وريث الوحدة
9 سبتمبر 2025 00:05 صباحًا
|
آخر تحديث:
9 سبتمبر 00:05 2025
شارك