توصُّل إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية لاتفاق في القاهرة لاستئناف التعاون بين الطرفين، يعتبر اختراقاً للجمود، الذي بدأ بين الطرفين، منذ ما قبل العدوان الإسرائيلي في يونيو الماضي، ويمكن أن يفتح الباب لتهدئة التوتر بين طهران والقوى الغربية حول استئناف المفاوضات النووية المعطلة منذ أشهر.
الاتفاق الجديد جاء برعاية مصرية ومتابعة استمرت أشهراً، واعتبره الرئيس عبدالفتاح السيسي خطوة من شأنها إقناع الأطراف المعنية بالتراجع عن أي خطوات تصعيدية، وإفساح المجال أمام الدبلوماسية والحوار تمهيداً للعودة إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى تسوية سلمية للبرنامج النووي الإيراني، ووصفه المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي بأنه «خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح»، لكن من السابق لأوانه معرفة مواقف الأطراف الغربية، وخصوصاً دول «الترويكا» الأوروبية، بريطانيا وفرنسا وألمانيا، التي أعلنت تفعيل ما يسمى «آلية الزناد» لإعادة فرض العقوبات بحجة أن إيران لا تتعاون بشأن برنامجها النووي. أما الولايات المتحدة، فمازالت مواقفها متضاربة حول القضية، ومازالت تراوح بين لغة التهديد طوراً، وتارة بإعلانها الرغبة في العودة إلى المفاوضات. وقد لا يجد الموقف الأمريكي طريقه إلى الحسم قريباً في انتظار أن يتبلور موقف أوروبي بناء على ما تم التوصل إليه في الاتفاق المبرم في القاهرة بين وكالة الطاقة الذرية وإيران.
من الناحية السياسية، يعتبر هذا الاتفاق، في وقته، إذ يأتي ليخفف من حدة التوتر، وقد يفتح الباب إلى عودة المفاوضات بين جميع الأطراف، وهو هدف تدفع إليه كل من الصين وروسيا، الحليفتان الكبيرتان لإيران، وبحثته الدول الثلاث مؤخراً في قمة جمعت في بكين الرؤساء شي جين بينغ وفلاديمير بوتين ومسعود بزشكيان، الذي أكد في تصريحات تلت القمة، أن زيارته إلى الصين هذه المرة تعتبر«أهم زيارة في تاريخ إيران الحديث». وذكرت أوساط كثيرة أن الملف النووي كان حاضراً بقوة في تلك اللقاءات، وربما يكون ما حدث من اتفاق إيجابي في القاهرة نتيجة بعيدة لما حدث من لقاءات في الصين، أو أن الأطراف ذات الصلة قد ارتأت التوافق بدل التصعيد واستخدام القوة، وهو نهج ثبت فشله في التعامل مع الملف النووي الإيراني بعد العدوان الإسرائيلي والضربة الأمريكية على منشآت أصفهان وفوردو ونطنز، ومازالت نتائجها الحقيقية غير واضحة ومحل جدل في الولايات المتحدة، وخصوصاً بين الرئيس دونالد ترامب و«وزارة الحرب».
الحل الدبلوماسي هو النهج السليم لمعالجة الأزمات والصراعات، والملف النووي الإيراني لا تمكن معالجته إلا عبر الحوار واحترام الحقوق المشروعة لكل دولة. وبعد ما شهدته المنطقة من توتر وصل إلى درجة الحرب، ربما باتت الظروف الآن مناسبة للتعامل سلمياً مع هذا الملف المعقد والخطر، وقد يكون اتفاق القاهرة مدخلاً لعودة جميع الأطراف إلى طاولة المفاوضات تمهيداً للتوصل إلى اتفاق أشمل يجنب المنطقة أعباء وتداعيات واحدة من أزماتها المعقدة.