في ظل الانقسامات الحادة التي يشهدها المشهد السياسي الأمريكي، تبرز مذكرات ليزا موركوفسكي كصوت مستقل يروي تجربة سياسية تمتد لعقدين داخل مجلس الشيوخ. هذه المذكرات تعكس رؤية لإمكانية استعادة التوازن والديمقراطية عبر الحوار والبراغماتية بعيداً عن الاستقطاب الحزبي.
أطلقت السيناتورة الأمريكية عن ولاية ألاسكا، ليزا موركوفسكي، في 24 يونيو 2025 مذكراتها السياسية في كتاب بعنوان «بعيدة عن الوطن.. سيناتورة من ألاسكا تواجه المناخ السياسي القاسي لواشنطن العاصمة»، حيث تقدم شهادة شخصية وسياسية توثق أكثر من عشرين عاماً قضتها في مجلس الشيوخ الأمريكي، واجهت خلالها أزمات سياسية وانقسامات حادة في النظام الحزبي الأمريكي.
الكتاب، الذي شاركها في كتابته تشارلز وولفورث، يجمع بين السيرة الذاتية والتحليل السياسي في مرحلة تعاني فيها الولايات المتحدة أزمة ثقة عميقة في مؤسساتها الديمقراطية. تأخذ المذكرات القارئ في رحلة تمتد من طفولة موركوفسكي في ألاسكا إلى معترك السياسة في واشنطن، حيث دخلت مجلس الشيوخ في ظروف غير متوقعة، لتجد نفسها أمام واقع سياسي معقد يتطلب قرارات صعبة وخيارات غير تقليدية. وتروي الكاتبة كيف وجدت نفسها في مواجهة «مناخ سياسي قاسٍ وبعيد» عن بيئة ألاسكا التي نشأت فيها، مؤكدة أن العمل السياسي الفعّال في العاصمة الأمريكية يتطلب أحياناً اختيار «الطريق الأصعب» للوصول إلى حلول واقعية بعيدة عن الحسابات الحزبية الضيقة.
وتؤكد المؤلفة أن فلسفتها السياسية هي خدمة الناس، مشيرةً إلى أنها تعمل من أجل النساء اللواتي يصنعن الحُليّ في مطابخهن في نيويورك، ولأجل العديد من سكان ألاسكا الذين يحتاجون إلى دعم عملي يساعدهم على البقاء في أرض جميلة لكنها قاسية وغير مطوّرة بالشكل الكافي. وتشير إلى أنها تخدم أيضاً أولئك الذين تتأثر حياتهم بشكل مباشر أو غير مباشر بالقرارات الفيدرالية، موضحةً أن سكان ألاسكا يعتمدون على هذه القرارات أكثر من أي ولاية أخرى، حيث تملك الحكومة الفيدرالية أكثر من نصف مساحة الولاية، بينما يبقى الاقتصاد المعتمد على الموارد رهيناً بالتغييرات في السياسات الفيدرالية.
يسلط الكتاب الضوء على أبرز المحطات السياسية في مسيرة موركوفسكي، ومنها إعادة انتخابها التاريخية عام 2010 عبر التصويت بالكتابة بعد خسارتها دعم حزبها الجمهوري، ما عزز قناعتها بأن الولاء الحقيقي يجب أن يكون للناخبين وليس للحزب. كما يتناول مواقفها المستقلة خلال فترة الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، بما في ذلك تصويتها ضد تثبيت بريت كافانو في المحكمة العليا، ومواقفها من انتخابات 2020 وأحداث اقتحام الكونغرس في السادس من يناير، ومحاكمتي العزل اللتين واجههما ترامب.
في فصول مثل «الناخبون يثبتون أننا لا نحتاج إلى أحزاب» و«في قلب عاصفة العزل»، تكشف موركوفسكي عن كواليس قراراتها وكيف حاولت التوفيق بين التزاماتها الدستورية وقناعاتها الشخصية، رغم الضغوط الحزبية الهائلة. وتصف هذه المذكرات كيف حاولت أن تكون صوتاً وسطياً في زمن يشهد استقطاباً سياسياً غير مسبوق، متمسكة بمبدأ التسوية والحوار كسبيل للحفاظ على فاعلية النظام الديمقراطي.
يتجاوز الكتاب السرد السياسي المحلي ليطرح رؤية أوسع حول إمكانية بناء الجسور بين المواقف المتعارضة في أوقات الانقسام السياسي، وهي رسالة تحمل أبعاداً إنسانية وسياسية تتجاوز حدود واشنطن، لتلهم مجتمعات أخرى تسعى إلى تحقيق التوازن بين المبادئ الحزبية والعمل المؤسسي. يعد هذا الكتاب شهادة سياسية عن مرحلة تاريخية مضطربة في الولايات المتحدة، ورسالة أمل بأن السياسة الأمريكية لا تزال قادرة على تجديد نفسها من خلال أصوات مستقلة ترفض الانجرار وراء الاستقطاب الحاد، وتؤمن بقوة الحوار والتسوية في صناعة مستقبل أكثر استقراراً وعدلاً.