د. سعيد الكعبي *
محطات كثيرة مررت بها في حياتي، غير أن هذه المحطة مختلفة عن كل ما سبقها، لم تكن مجرد رحلة عابرة، بل كانت أول مهمة رسمية لي مع جمعية الشارقة الخيرية في جمهورية طاجيكستان، لحظة ارتديت قميص الجمعية شعرت بفرح طفل ينتظر صباح العيد ليرتدي ملابسه الجديدة ويباهي بها أقرانه.
لقد أحببت عمل الخير منذ صغري، وكنت أمارسه بشكل شخصي وبسيط، أما اليوم فقد اكتسى صفة رسمية، فصار رسالة أعمق، ومعنى أوسع، وفرصة أكبر لترك أثر ممتد.
رحلتي الأولى لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل انتقالاً وجدانياً إلى عالم يفيض بالسكينة، حيث البساطة هي عنوان الحياة، وحيث يدرك المرء أن الروح لا تنمو إلا حين تقترب من الطبيعة والإنسان في صورتهما الأولى، وسجلت فيها عدداً من المشاهدات:
{ في طريقنا إلى بعض القرى، شاهدنا أطفالاً صغاراً يقطعون أكثر من أربعة كيلومترات يومياً للوصول إلى مدارسهم، زرنا إحدى تلك المدارس، فكانت قديمة متواضعة، وجدنا الطلاب متكدسين -أكثر من ثلاثين طالباً- في فصول ضيقة لا تكفي حتى نصفهم، بلا تكييف في جو تصل حرارته إلى 30 درجة، دون مكتبة أو ملعب أو مختبرات. مشهد يفرض مسؤولية عاجلة لبناء مدرسة جديدة.
وقفنا على قطعة أرض خُصصت لذلك، وتعاهدنا أن نبحث عن المتبرع الذي يحوّل الحلم إلى واقع، لنعود في العام المقبل ونشهد افتتاح مدرسة متكاملة تسر الدارسين.
{ رافقني في هذه الرحلة الأخ أحمد الدولة – صاحب شركة On Plan العقارية – وفريقه محمد العتيبة والمقرئ الشاب عبدالرحمن، أحمد عاهد نفسه وفريقه أن يكون جزء من دخل شركتهم وقفاً لمشاريع الخير. وكنت محظوظاً أن أصحبهم في وضع حجر الأساس لمركز صحي جديد، سيُفتتح – بإذن الله – قبل رمضان. هناك تذكرت قول الرسول ﷺ: «ما نقص مال من صدقة»، وكم يحتاج مجتمعنا إلى مثل هذه النماذج المضيئة التي توفّق بين التجارة والبر.
{ المقرئ عبدالرحمن مسعد، رغم صغر سنه، كان نجم الرحلة، ما إن سمع الناس صوته العذب عبر وسائل التواصل حتى توافدوا للفندق للسلام عليه والتقاط صور معه، أدركت حينها كيف يرفع الله شأن حامل القرآن، وكيف يقدمه على الجميع، وفرحت بتمسّك أهل طاجيكستان بالقرآن وحرصهم على أهله.
{ زرنا مركزاً صحياً بني عام 2017 تكفّل به مشروع الريح المرسلة وهو أحد مشاريع جمعية الشارقة الخيرية، ما زال يخدم الناس وكأنه افتتح بالأمس. عندها تساءلت: كم من الأجور نالها من ساهم في هذا العمل؟ وتذكرت أن الوقف هو العمل الباقي، أما غيره فزائل.
{ في اليوم الثاني، عشنا لحظة استثنائية بافتتاح قرية متكاملة للأيتام تبرعت بها فاعلة خير، لم تكن مجرد بيوت، بل مجتمعاً متكاملاً، عشرة منازل للأيتام، مدرسة تضم نحو 400 طالب على فترتين، مسجد يخدم القرية والقرى المجاورة، ومركز صحي يقدم خدماته للأيتام والسكان المحيطين. مشهد يعيد تعريف معنى العطاء ويحوّله إلى حياة كاملة.
خاتمة الرحلة.. ليلتان فقط، قضيناهما في قلة نوم لم تتجاوز ساعتين يومياً، ومع ذلك امتلأت أرواحنا بطاقة لا يعرفها الجسد، كانت رحلة قصيرة بالزمن، لكنها بعمر كامل من العطاء.
حقاً... ما أجمل عمل الخير، وما أجمل محبّيه.. وشكراً لكل من سهّل لي هذا الطريق.
* عضو مجلس إدارة جمعية الشارقة الخيرية