الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

المسرح والإنسان الأخير

21 سبتمبر 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 21 سبتمبر 00:07 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
عندما تتداعى إلى المخيلة الثقافية كلمة مسرح، تستدعي الذاكرة مفردات جمالية وثقافية عديدة، نحن أولاً على موعد مع «أبو الفنون»، ذلك الذي بإمكاننا أن نكتب عنه سرديات تتقاطع مع مختلف أوجه النشاط الثقافي، ونحن في حضرة الحوار وإنعاش الفكرة وإثارة السؤال والحث على التأمل، ونحن مرة ثالثة ورابعة أمام الكلمة والصورة ومشهدية تتحول إلى فرجة، ندخل إلى عالم الممثل والمخرج، وننفعل بالأداء المباشر والتفاعل مع الجمهور. مع المسرح نستعيد ألق الثقافة بمعناها الحقيقي، ولكنه الكلاسيكي في الوقت نفسه، فالثقافة الكلاسيكية التي كنا نعرفها حتى عقود مضت أصبحت -ولنتحلَّ بقدر من الصراحة- من التاريخ، حيث كان هناك الجدية والاهتمام والدأب والاشتغال على الذات والأفكار وتحويل كل ذلك إلى أطروحات اجتماعية تتأثر بالروح وتؤثر فيها.
عندما تتداعى إلى المخيلة الثقافية كلمة مسرح، نحن نستدعي تلقائياً مفردة تحيل إلى الفن والثقافة والصناعة، كان كل مشتغل فيها يتحلى برهافة الفنان ويتمتع بموسوعية المثقف ويتسم بجلد رجل الصناعة، ولذلك أينما كانت هناك حركة مسرحية مزدهرة فبإمكانك أن تعثر على نهضة فكرية، وأينما وجد المسرح فبإمكاننا أن نقول إن هذا المجتمع بألف صحة وعافية، والنماذج التاريخية عديدة.
مشاكل المسرح عديدة، وهو مثل أي نشاط ثقافي آخر، يدرس أزماته، ويعالجها واحدة تلو الأخرى، ولكن ما يواجهه المسرح الآن، ليس أزمة تتعلق بهذا الجانب آو ذاك، وليس إشكالية ثقافية معقدة تؤثر بالسلب في المسرح كما في غيره من وجوه الثقافة، ما يحدث الآن تحول يغير في الوعي البشري، والمسألة لم تعد تتعلق بعقود طويلة ممتدة، حتى نلقي بعبء المواجهة على الأجيال المقبلة، ولكنه تحول متسارع بدأنا نشهد مظاهره الآن، ولن تمر سنوات قليلة حتى نكون أمام ثقافة جديدة تماماً، وبغض النظر عن وجهة نظرنا فيها، فإن ما ستحدثه من تغيرات مؤلمة، واقع لا محالة، فالإنسان لم يتمكن طوال تاريخه من إيقاف التطور.
يدور معظم الحديث لكل مشتغل بالمسرح أو متابع له، عن توحش السينوغرافيا، فالأغلبية العظمى من العروض الآن تهتم بالصورة على حساب مختلف العناصر الأخرى، وحجج من يؤيد هذا التوجه عديدة، فالجمهور الآن لن يذهب إلى عرض يفتقد إلى عناصر الإبهار، والجمهور لن يقبل بعمل يقتصر على الحوار فقط، والجمهور يريد «كذا.. وكذا» والمسرحي الناجح لا يمكنه أن يستمر في البرج العاجي متجاهلاً رغبات الجمهور، وهي حجج قديمة سمعناها لدى كل من يريد أن يغير في شكل أو طبيعة فن، حيث يتخفى خلف قناع الجمهور، وذلك من دون أي دراسات أو أبحاث علمية عن رغبات هذا الجمهور، وهو في الواقع أمر يخفي العجز عن تطوير أدوات الفن من الداخل من دون اللجوء إلى أدوات بعيدة أو غريبة عن طبيعة وروح هذا الفن.
أنا من المؤمنين بأن المسرح من الفنون التي نشأت وازدهرت وقدمت أفضل ما فيها من خلال الكلمة والحوار، والقدرة على التغلغل في جبل اللاوعي الذي تخفيه النفس الإنسانية، وفق تعبيرات فرويد، الفن الذي يفتش في سراديب النفس، بحسب دستويفسكي، وينبه عقولنا بالمطرقة، إذا استحضرنا نيتشه. كانت وظيفة الفنون والآداب الحقيقة كما أشار هؤلاء وغيرهم بالعشرات أن تكشف حقيقة خبايانا وأعماقنا، وهي وظيفة ثانوية في فضاء اللهاث وراء الصورة، وليست على أجندة عصر العولمة الذي تحولت فيه الثقافة إلى ترفيه، ولا مكان لها في زمن التقنية وغير معترف بها من قبل الذكاء الاصطناعي.
الفن الحقيقي يسبق الجميع دائماً بخطوة، والمسرح الجاد ظل دائماً يسبق الكل بخطوات، من هنا كان تميّزه واغترابه في الوقت نفسه، كان يقدم المختلف وما يدعو إلى السؤال ويحرك مكامن الدهشة، ولا يمكن أن ينساق هذا الفن وراء رغبات جيل «زد»، وما تبعته من أجيال، ولكن واجبه أن يفجر وعي هذه الأجيال ويكشف مدى الزيف التي تعيش فيه.
في مسرحية «الخرتيت»، ليوجين يونسكو، يتبقى إنسان واحد يرفض التحولات التي حدثت للبشر حوله، ينتمي العمل إلى مسرح العبث، ولا فارق كبيراً بين مسرح العبث آنذاك وزمن العبث الواقعي الآن، وذلك بالفعل وظيفة الفن الحقيقية، وهو ما تستحضره الذاكرة عندما تتداعى إلى المخيلة الثقافية كلمة مسرح.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة