كانت ابتسامات الأطفال أول ما لفتني، وأعمق ما بقي في الذاكرة من رحلتنا برفقة مؤسسة القلب الكبير إلى إندونيسيا مؤخراً، فقد اختزلت تلك الوجوه الصغيرة بعفويتها الصادقة معنى يتجاوز التقارير والأرقام ويصل مباشرة إلى حياة الإنسان.
كشفت الرحلة عن فلسفة تضع الإنسان وكرامته في قلب العمل، لتنتقل به من المساعدة المؤقتة إلى التمكين وبناء المستقبل.
وتجسدت هذه الرؤية في مشاريع التعليم والتدريب والتأهيل ودعم الأشخاص ذوي الإعاقة وتمكين المرأة وحماية الأطفال وتوفير السكن وتحسين سبل العيش.
هذه المشاهد لم تكن منفصلة عن فلسفة مؤسسة القلب الكبير التي انطلقت من الشارقة بمفهوم إنساني يرتكز على حماية الفئات الأكثر احتياجاً وتمكينها من العيش بكرامة.
عكست الرحلة هذا النهج بوضوح من خلال الاقتراب من واقع المجتمعات واحتياجاتها والتعرف إلى التجارب المحلية، وخبرات المؤسسات العاملة على الأرض، بما يفتح المجال أمام شراكات إنسانية وتنموية تستند إلى المعرفة بالسياق المحلي وتسعى إلى إحداث أثر طويل المدى.
في مركز «أنيكا ليندن»، شاهدنا نموذجاً في دعم الأشخاص ذوي الإعاقة لا يتوقف عند العلاج أو توفير الأطراف الصناعية، بل يمتد إلى التأهيل وتنمية المهارات وتعزيز فرص الاندماج في المجتمع وسوق العمل. وأظهرت هذه التجربة أن استعادة القدرة على الحركة ليست نهاية المسار، بل بداية لاستعادة الاستقلال والدور والمشاركة.
وفي مؤسسة «بالي لايف»، تنوعت البرامج بين تعليم الأطفال، وتنمية مهارات الشباب، وتدريب النساء على الحرف والأعمال اليدوية. وكان اللافت كيفية تحويل مهارة مكتسبة إلى فرصة اقتصادية تشكل مدخلًا إلى مزيد من الاستقرار والثقة والاعتماد على الذات.
أما في قرى أطفال «إس أو إس»، فقد حمل مفهوم «بيت العائلة» معنى يتجاوز توفير المأوى، فالطفل يحتاج إلى بيئة تمنحه الأمان والانتماء والاستقرار، وتساعده على اكتشاف قدراته والنمو في ظروف تتيح له بناء مستقبله بثقة.
وفي يوجياكارتا، أخذت الرحلة بعداً مختلفاً، انتقل من الاطلاع على التجارب القائمة إلى بناء مساحة جديدة للتعاون الإنساني والمعرفي، ويأتي إنشاء مركز جواهر القاسمي للابتكار الإنساني، ليجسد هذا التوجه من خلال الربط بين المعرفة الأكاديمية والخبرة الإنسانية واحتياجات المجتمعات، والعمل على تحويل البحث والابتكار إلى حلول عملية قابلة للتطوير والتوسع.
ويمثل المركز نموذجاً لشراكة تنطلق من الشارقة نحو بناء معرفة إنسانية أكثر اتصالًا بالواقع، والاستفادة من الخبرات المحلية والبحث العلمي في تطوير حلول قابلة للاستمرار والتطبيق في مجتمعات مختلفة.
وفي مشروع «منزل مقابل منزل» يتجاوز أثر المشروع توفير السكن إلى إعادة بناء الإحساس بالأمان والاستقرار والقدرة على بدء حياة أكثر ثباتاً.. وربما اختصرت سعادة إحدى النساء بتسلم منزلها الجديد هذا المعنى إذ بدا المنزل بالنسبة لها انتقالاً إلى واقع أكثر طمأنينة وكرامة.
تجارب مختلفة حملتها هذه الرحلة الإنسانية تبرهن على أن الحلول الأكثر استدامة تُبنى بالشراكة مع المجتمعات، وتنطلق من واقعها واحتياجاتها وإمكاناتها، وتجعل الإنسان شريكاً في صناعة التغيير.. فكلما كان الحل أكثر ارتباطاً بالواقع المحلي، كان أثره أعمق وقدرته على الاستمرار أكبر.
وتجسد رسالتها بأن جوهر العمل الإنساني يمكن اختصاره في معادلة واضحة: الإنسان هو البداية، والتمكين هو المسار، والاستدامة هي الأثر.
أما ابتسامات الأطفال وفرحة تلك المرأة بتسلم منزلها الجديد، فظلت من أصدق الشواهد على نجاح العمل الإنساني حين يتحول من استجابة لحاجة إلى فرصة، ومن دعم مؤقت إلى قدرة تبقى، ومن مبادرة إلى أثر يغير حياة الإنسان.
كل التقدير لقرينة صاحب السمو حاكم الشارقة، سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي رئيسة مؤسسة القلب الكبير، على رؤية إنسانية جعلت من العطاء مساراً يحفظ كرامة الإنسان، ويعزز قدرته، ويفتح أمامه آفاقاً أوسع للمستقبل.
والتقدير لكل من أسهم في هذه الجهود، ولكل يد امتدت بالعطاء، ولكل من آمن بأن أفضل ما يمكن أن نقدمه للإنسان هو الفرصة التي تمكّنه من أن يصنع مستقبله بكرامة وثقة.
