رضا السميحيين

المتابع لمشهد النشر العالمي، يدرك وجود تحول جوهري خلال السنوات القليلة الماضية، بفضل ما يسمى «منصات النشر الذاتي»، وهي وسيط رقمي يمكن المؤلف من إصدار مؤلفاته، أياً كان نوعها: كتب أدبية أو علمية، وحتى المجلات والقصص المصورة، من دون وساطة دور النشر التقليدية، بحيث يقوم المؤلف برفع العمل كاملاً، سواء بنسق إلكتروني فقط أو عبر إمكانية الطباعة حسب الطلب، ويختار بنفسه كل التفاصيل من الغلاف، والسعر، وصولاً إلى مراقبة المبيعات وجني الأرباح مباشرة، وتعد هذه المنصات ظاهرة ثقافية واقتصادية قد تحمل معها ملامح مستقبل الأدب وصناعة الكتاب حول العالم.
وبحسب تقرير من شركة «Bowker» المختصة في خدمات النشر، يكشف أن عدد الكتب المنشورة «ذاتياً» تجاوز 2.6 مليون عنوان عام 2023، وفي الولايات المتحدة وحدها، صدر أكثر من نصف مليون نسخة، مقارنة بعشرات الآلاف فقط عبر النشر التقليدي، ومؤشر الأرقام هنا يكفي لنقول إننا أمام تحول ثقافي مهم ومفصلي.
لعل أسباب الاندفاع نحو النشر الذاتي واضحة، فالكاتب يقرر شكل الكتاب، وعنوانه، وموعد إصداره، وحتى سعره، أضف إلى ذلك «العائد المالي»، فنسب الأرباح التي يحققها الكاتب عبر بعض المنصات مثل «KDP»، قد تصل إلى 70% من ثمن البيع، وهو رقم لا يمكن للناشر التقليدي مجاراته، نعم، الكلفة ليست رمزية وقد تصل إلى خمسة آلاف دولار لتغطية التحرير والتصميم والتسويق، لكن بحسب بعض المؤلفين العائد على المدى الطويل غالباً ما يكون مجزياً، خصوصاً مع بناء قاعدة قراء ثابتة.
التكنولوجيا لعبت دور البطولة في هذا المضمار، حيث وفرت منصات رقمية للنشر، وأدوات لتحويل الكتب إلى نسخ صوتية خلال ساعات، وخدمات توزيع تجعل الكتاب متاحاً في كل القارات «بكبسة زر»، وحتى الذكاء الاصطناعي دخل على الخط، عبر المساعدة في التدقيق اللغوي وتصميم الأغلفة وتخطيط الحملات التسويقية.
لكن ما يعاب على تقنية النشر الذاتي أنها فتحت الباب لفيضان من العناوين، بعضها لا يرقى إلى الحد الأدنى من الجودة، ما يضع القارئ أمام تحدي العثور على اللؤلؤة وسط كومة الركام، وهذا ما يجعل دور المراجعات النقدية والمجتمع القرائي أكثر أهمية من أي وقت مضى في فرز الغث من السمين.
النشر الذاتي تجربة ضرورية للمبتدئين وحتى للمؤلفين المحترفين، إذ تعطيهم فرصة لفهم السوق مباشرة والتواصل مع جمهورهم من دون حواجز تقليدية، وإذا كان ثمة نصيحة لمن يريد أن يجرب هذا المسار، فهي أن يحترم كل مؤلف عمله، وأن يراجع نصه جيداً، ويستشير مختصين في التصميم والتحرير متى أمكن، ويستثمر في حملات ترويجية مبتكرة للكتاب، ومع تزايد ثقة القراء والكتاب بهذا الأسلوب، سوف يصبح النشر الذاتي من أهم الأدوات التي تساعد على إبراز المواهب الجديدة والمتميزة.

[email protected]