تتغير الوجوه، لكننا نسمع الأصوات نفسها، والأغنية نفسها ونرى الحركة نفسها، فالصورة الآن تركب على قالب واحد ثم يعاد نشرها مرة بعد أخرى. وعلى الرغم من أن وسائل التواصل ابتكرت لمنح كل واحد منا فرصة ليتميز، فإن التميز غاب عن كل ما ينشر في هذا التقليد، وصار المشهد أشبه بصدى يتردد في غرفة مغلقة.
اليوم يعبر الناس عن الحزن بالأغنية نفسها، وعن النجاح بالجملة نفسها، وعن الثقة بالنفس بالمشهد نفسه. حتى التجارب الشخصية اختصرت في قوالب جاهزة.
وليست المشكلة في أن تعجبنا أغنية أعجبت غيرنا، أو أن نشارك في فكرة طريفة فالتأثر بالآخرين جزء طبيعي من الحياة، لكن السؤال الحقيقي يتعلق بالمشاركة التي تتكرر من دون التفات إلى معناها، لماذا أنضم إلى هذا التقليد الرائج؟ ولماذا أنشر ما لا يعبر عن مبادئي أو تجربتي ومن دون أن أفهم ما توحي به كلماته أو صورته؟ هل أشارك لأن الجميع يفعل ذلك؟
من هنا يتجاوز الأمر تشابه المنشورات إلى العادات التي تتكون خلفها، عادة انتظار ما يفعله الآخرون، واستعارة ردود أفعالهم، وقياس قيمة التجربة بمقدار قابليتها للعرض، ومع الوقت قد يصعب على المرء أن يميز بين ما يحبه وما اعتاد أن يراه محبوباً، وبين ما اختاره وما خشي أن يفوته، فيعيش اللحظة بعين من سيشاهدها وليس بعينه هو.
والأخطر من ذلك أن القالب الذي نستعيره للترفيه لا يأتي فارغاً، بل قد يحمل تصوراً عن الناس والعلاقات والنجاح والجمال لا صلة له بتصوراتنا الحقيقة، وحين نكرره نسهم في نشر معناه، وقد نقتنع مع التكرار بأنه يمثلنا وهو ليس كذلك.
لهذا، نحتاج أن نتعلم وأن نعلم أبناءنا قراءة ما يشاركونه وما يتبعونه كما نعلمهم قراءة ما يتلقونه وأن ينتبهوا إلى الرسالة التي تحملها الأغنية، وإلى الشخص الذي يسخر منه المقطع، وإلى الفكرة التي تجعلها الصورة مقبولة أو جذابة فالمشاركة فعل له معنى.
ويمكن تنمية هذا الوعي بحوار بسيط: ما الذي أعجبك في هذا المقطع؟ وهل كنت ستنشره لو لم يكن رائجاً؟ أسئلة كهذه تفتح مساحة للتأمل، وتمنحهم فرصة لفهم اختيارهم بدل الدفاع عنها دون تفكير.
وفي المقابل، علينا أن نذكرهم بأن ما يميزهم حقاً هو رأيهم الخاص في موضوع أو كتاب أو تجربة عاشوها بأنفسهم، فالصوت الشخصي هو الاستقلالية والتميز والمعنى الحقيقي للحرية التي يطالبون بها، أما المقاطع الرائجة فقيود صارمة ترتدي ثوب حرية آيل للتمزق.
