طرحنا في «الخليج» تساؤلاتنا على مجموعة من الشعراء، لاستطلاع آرائهم حول سر حضور الشعر الشعبي في الفضاء الرقمي وما يواجهه من تحديات.
يؤكد الباحث في التراث الدكتور سالم الطنيجي أن ثورة التقنية الحديثة وفرت للشعر الشعبي والنبطي نافذة انتشار غير مسبوقة، حيث ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في نقل هذا التراث الشفهي إلى فضاء عالمي واسع، وأن الشعر الشعبي لم يعد حكراً على فئة معينة، بل تجاوز الحدود الجغرافية ليصل صداه إلى جمهور متعدد الثقافات، بفضل الأدوات الذكية وغير المكلفة التي وفرتها الثورة الرقمية. هذه الظاهرة أسهمت في حفظ التراث الثقافي الإماراتي وتعزيز مكانته عربياً وعالمياً.

ويتابع د.الطنيجي بقوله: في عصر الثورة الرقمية، أصبح للشعر الشعبي حضور وانتشار أكبر، ورافق ذلك انتشار كثير من عناصر التراث كالتراث المادي والمعماري، واللهجات، والأمثال الشعبية، وكلها تحظى اليوم باهتمام أكبر عبر منصات التواصل، والفائدة الكبرى أن الثورة الرقمية قربت الشعر إلى المتذوقين في البيئات العربية الصحراوية، ودفعت بأصوات الشعراء إلى فضاءات أوسع، مستفيدين من أدوات تكنولوجية ذكية وغير مكلفة، ساعدت على حفظ ونشر الثقافة التي ترتبط بتراث المجتمع الإماراتي.
ويضيف الطنيجي أن كثيراً من الشعراء استغلوا هذه الأدوات لنقل أشعارهم إلى جمهور عالمي، وساهموا في توسيع دائرة انتشار الشعر الشعبي وجعلها خارج الحدود التقليدية، فالأدوات الرقمية في متناول اليد، واضحة غير مكلفة، وأتاحت نشر الثقافة التراثية بصورة أكثر حيوية، ونحن اليوم محظوظون بما لدينا من تراث، سواء من شعر أو فنون شعبية أو حرف تقليدية، والوسائل الحديثة سهلت إيصال هذا التراث الأصلي للجمهور، لهذا نجد كثيراً من الشعراء والكتاب ومحبي التراث يستخدمون وسائل التواصل لنشر الأمثال والأقوال الشعبية والعادات والتقاليد، ما جعل حركة نقل التراث أسرع وأوسع.
ويتابع د. الطنيجي، بفضل مجانية هذه الأدوات التكنولوجية وسهولة استخدامها، فلقد زادت شهرة الشعراء، واستطاعوا أن يحققوا انتشاراً أوسع ما أدى إلى حفظ التراث الثقافي لمختلف المجتمعات، وأتاح وصول تراثنا إلى دول كثيرة، ليعزز مكانة الدولة في المجال الثقافي.
باب واسع
من جانبه، يقول الشاعر عتيق خلفان الكعبي إن الشعر النبطي، أو ما نسميه الشعر الشعبي، قد استفاد كثيراً في السنوات الأخيرة من المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي. أصبحت هذه الأدوات الحديثة بابًا واسعًا للشاعر، حيث بات بإمكانه أن يصل إلى الجمهور مباشرة من خلال قناته الخاصة، على منصات التواصل الاجتماعي.

ويوضح الكعبي أنه في الماضي، كانت النوافذ الشعرية قليلة جداً، محصورة في الصحافة والمجلات الشعبية والتلفزيون. بل وكان النشر يخضع لمعايير صارمة يضعها محررون وشعراء أصحاب خبرة طويلة لا يتيحون النشر لأي نص لا يرقى إلى مستوى معين من الجودة من حيث الوزن والقافية والمعنى، لذلك، كان على الشاعر أن يقطع مسافة جادة في تجربته قبل أن يجرؤ على إرسال قصيدته إلى إحدى المجلات، خوفًا من «عين الناقد» أو من تقييم المحرر المختص.
أما اليوم، فالمسألة تغيّرت بالكامل. وسائل التواصل الاجتماعي فتحت الأبواب للجميع: الشاعر المتمكن، والمبتدئ، بل وحتى من لا يمتلك أدوات الشعر، وهذا بلا شك منح حرية ووسع دائرة الانتشار، لكنه كذلك جلب الغث والسمين. فالمشكلة أن المقاييس تهاوت، ولم يعد عدد المتابعين أو المشاهدات معياراً حقيقياً للحكم على جودة الشاعر، وبعض الجمهور يتابع الشاعر لأجل حضوره أو طريقته أو طرافته لا لأجل القصيدة نفسها.
ويلفت الكعبي إلى أنه مع ذلك، لا يمكن أن أنكر أن التكنولوجيا قدمت لنا خدمة كبيرة. فقد سهلت الوصول، وفتحت أبواب التواصل مع جماهير من مختلف الدول العربية، وهو أمر كان في الماضي شديد الصعوبة. اليوم يمكن أن يقرأ أحدهم قصيدة لي نُشرت إلكترونيًاً فيتواصل معي مباشرة، بينما قديمًاً كان الأمر يمر عبر المراسلات والبريد وانتظار موافقة المجلات.
كما يوضح رأيه في مسألة الأصالة والتجديد، قائلاً: أما مسألة الأصالة والتجديد، فأنا أعتقد أن التطور حتمي ولا مفر منه، فالقصيدة الشعبية لا يمكن أن تبقى جامدة، كما أن الفصيح نفسه تطور عبر العصور، لكن التطوير لا يعني أن نتنازل عن جوهر الشعر أو نهبط بمستواه، بل المطلوب أن نبقى متمسكين بالأصالة وأن نوظف مفرداتنا ولهجاتنا المحلية، مع الانفتاح أحيانًا على الفصيح أو على أساليب جديدة حين تخدم الفكرة وتثري المعنى.
العصر الذهبي
يستذكر الشاعر خلفان الكعبي العصر الذهبي الذي عاشه الشعر الشعبي إبان الثمانينيات والتسعينيات، حين كانت المنابر الإعلامية التقليدية هي الحاضن الرئيسي للمواهب الشعرية. ويوضح الكعبي في حديثه أن برامج التلفزيون والإذاعة، إلى جانب الصحافة والمجلات، في تلك الحقبة كانت المنصات الأساسية لوصول الشعر النبطي إلى الناس، معتبراً تلك الفترة العصر الذهبي للشعر الشعبي، إذ كان له حضور قوي في معظم البرامج، ما عزز حضور الشعر والشعراء بشكل ملحوظ.

ويفصل الشاعر الكعبي قائلاً: أما اليوم، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، بات للشعراء إمكانية الوصول إلى الجمهور بشكل مباشر وسهل، ومن خلال منصات مثل شاعر المليون، وقنوات تلفزيونية، ولم يعد النشر مقتصراً على المؤسسات التقليدية، ولقد قمت بنقل تجربتي الخاصة عبر منصتي، حيث أشارك القصائد والشلات والمواضيع الشعرية وما يتعلق بالتراث والأدب. ومع ذلك، ليست كل النتائج لهذا التحول الرقمي إيجابية، إذ لا يستفيد منه إلا من يسعى لإثبات وجوده في الساحة الشعرية.
ويؤكد أنه في الماضي كان نشر القصيدة يتطلب الكثير من الجهد والتحضير، كاختيار المكان المناسب للتصوير، والاهتمام بالخلفية ومونتاج الفيديو، أما اليوم، قد ينتشر مقطع مصور للقصيدة بسهولة، لكن الجودة ليست في كثير من الأحيان بالمستوى المنشود، ولم يعد الجمهور معياراً للتميز بسبب ضياع الذائقة الشعرية وسط كثرة الإنتاج والشعراء، فلقد أصبح الشعر اليوم أكثر انتشاراً واحترافية، حتى اتسعت رقعته عالمياً، ومن خلال وسائل التواصل، بات بوسع الشاعر أن ينقل خصوصية لغته ولهجته وهويته المحلية، وهو أمر بالغ الأهمية يحافظ على التراث والموروث الشعري.
الإعلام الجديد

بدوره يرى الشاعر والباحث محمد الحبسي أن الشعر الشعبي، خصوصاً النبطي، استطاع أن يستفيد من المنصات الإعلامية والرقمية أكثر من غيره لسبب بسيط: لأنه قريب من الناس، ويقول الحبسي: الشعر دائماً كان فناً شفوياً، مبنياً على السمع والإيقاع، والناس تتفاعل مع بيت أو شطر قصير يوصل المعنى بسرعة ويترك أثراً في القلب، وهذا بالضبط ما يتناسب مع ثقافة الإعلام الجديد، الذي يعتمد على المقاطع القصيرة والمحتوى السريع.
ويوضح الحبسي أن الشاعر اليوم لا يحتاج أن ينتظر أمسية أو مجلة تنشر له، بكبسة زر يشارك بيته الشعري ويرى ردود الناس وتعليقاتهم مباشرة، وهذا الأمر أعطى الشعراء دافعاً أكبر وصار للشعر حضور قوي في الساحة.