كيف تشعر حين تكتشف أن حساب بريدك الإلكتروني أو حساب التواصل الاجتماعي أو حساب موقعك الإلكتروني على الويب، قد تعرض للسطو من شخص ما مجهول الهوية، وقام باستغلاله لأغراضه الخاصة دون معرفتك؟ بالتأكيد سيثير ذلك بداخلك الشعور بالذعر وانتهاك الخصوصية والإحباط والغضب الشديد والسخط، إن ما حدث سوف يغير نظرتك للعالم، فلم يعد الأمر يقتصر على مجرد تعرضك لتهديد الاختراق الإلكتروني، وفقاً لاعتقادك، بل تم اختراق سرية بياناتك بالفعل، ولا يدري أحد كم سيستغرق الأمر لاستعادة تلك الخصوصية؟
يؤكد تشارلس آرثر في كتابه الصادر عن المركز القومي للترجمة بعنوان «الحروب السيبرانية.. اختراقات إلكترونية صادمة أذهلت عالم المال والأعمال» (ترجمة عادل علي عبد الرحمن شلبي) أن التعرض لاختراق الحساب الإلكتروني لأي شخص عادي أو مؤسسة أو شركة، يترك أثراً مريراً بالشعور بالاقتحام المفاجئ الصادم، لأنه يستهدف السطو على ذلك الذي تعتبره ذا قيمة ثمينة، في حين يعتقد قراصنة الفضاء الإلكتروني (الهاكرز) أن ما يفعلونه يماثل أي لعبة تتم ممارستها بدرجات أو مستويات متنوعة من المهارة الاحترافية والإصرار.
يضرب الكتاب مثالاً بما حدث في شهر مارس عام 2017 حين قام أحد قراصنة الإنترنت المستخدمين لبرنامج التجسس (صن تزو 583) بعرض نحو نصف مليون اسم مستخدم وكلمة سر منسوبة لحسابات أفراد في بريد «جي ميل» الإلكتروني للبيع على أحد مواقع الإنترنت المظلم، مقابل مبلغ تافه في ذلك الوقت، ولا يمر أسبوع دون نشر أي أخبار جديدة عن عمليات قرصنة إلكترونية ضخمة، أو أي عناوين إخبارية مختصرة، عن تسريب الملايين من بيانات هوية المستخدمين، وكلمة السر (بيانات اعتماد الخصوصية السرية) أو السطو عليها.
مصطلح
جاء استخدام مصطلح قراصنة الحاسوب والشبكات الإلكترونية (الهاكرز) متأخراً للغاية، حيث استخدم لأول مرة في عام 1963 لوصف الأشخاص الذين اخترقوا نظام شبكات الاتصالات بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وبحلول عام 1976 بدأ استخدام مصطلح الهاكرز كمصطلح إعلامي لوصف أي شخص يخترق نظام الحاسوب، وقد حاول الصحفي ستيفن ليفي في عام 1984 السير عكس التيار السائد لتعريف الهاكرز بإصداره كتاب «الهاكرز» الذي يتناول الأبطال الأسطوريين لثورة الحاسوب، الذين حققوا إنجازات عظيمة، ولكن ذلك لم يأت بنتيجة سوى انتشار لفظ الهاكرز على أوسع نطاق.
يتحدث القراصنة في الغالب عن الشعور بالبهجة والإثارة بعملية الاختراق التي يقومون بها، والتمادي في اختراق الأماكن التي لا يسمح لهم بالدخول إليها بشكل صارم، وبعض القراصنة يواصلون الاختراق الإلكتروني لإدراك الشعور بالبهجة والإثارة بالحصول على الأموال التي كانوا لا يستحقونها مطلقاً، وليس هدفهم الحقيقي مجرد الحديث عن تلك المغامرات، ولكن يدفعهم لذلك إصابتهم بجنون العظمة والاضطهاد والذعر والشك في ذات الوقت، مما يتحول لديهم إلى شعور يلازمهم للأبد، وذلك يحدث في العادة حين يتحولون إلى فريسة للأرق المستمر في تساؤل محير: هل جرائم الماضي القذر ستظل تلاحقهم؟
مستويات
يتناول هذا الكتاب طريقة سقوط الشركات والأفراد مع ازدهار أعمال القرصنة، والأساليب الابتكارية الجيدة التي يتبعها القراصنة الإلكترونيون لتحقيق أهدافهم، وتتمايز درجات هذا النطاق الواسع حيث تتراوح مستوياته من أساليب الاقتحام السيبراني والسطو الإلكتروني عبر البيانات لسرقة الأموال من بطاقات الائتمان المعتادة المنسوبة لأي شخص، حتى الوصول إلى التجسس المستتر إلى حسابات البريد الإلكتروني لأي فرد ناشط سياسي، وكذلك إلى تخريب الأجهزة التي لا تخضع للإشراف والتحكم المباشر من أي شخص، وكذلك وصولاً إلى الإتلاف الخبيث للأجهزة لأغراض سياسية، لا يتم الاعتراف بها مطلقاً بشكل معلن.
يستعرض الكتاب مجموعة من أذكى وأشرس الهجمات والاختراقات الإلكترونية المثيرة في العالم، حيث تتسم القرصنة الإلكترونية الحديثة بالدهاء الشديد، وتغير دائم لقواعد اللعبة والهدف والمضمون والتقنيات التي تصيب المؤسسات في جميع أنحاء العالم بالارتجاف والذهول، وتضع القادة في أنحاء العالم في مأزق المترقب لأي اختراق إلكتروني أمني لأدق الأسرار، في كافة المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية، أو تخريب النظم الحاسوبية والشبكات الإلكترونية.
نماذج
يعرض الكتاب كيف نجح متسلل إلكتروني من خلال توقفه في ساحة انتظار سيارات شركة «تي جيه ناكس» في سرقة تفاصيل نحو 94 مليون بطاقة ائتمان كبدت تلك المؤسسة خسائر بلغت مليار دولار، وكيف نجح شاب لا يتجاوز من العمر 17 عاماً في تسريب بيانات 157 ألف عميل من عملاء شركة الاتصالات البريطانية «توك توك» مما تسبب في كارثة فادحة للشركة.
يشير المؤلف إلى أن هناك مجموعة من القراصنة لا يستحوذ الربح المالي على دائرة اهتماماتهم وهم قراصنة الإنترنت الوطنيون الذين يعملون لصالح الدولة أو الوطن، حيث يعملون في عمليات القرصنة المكلفين بها من حكومات دولهم ويتم تمويلهم في الغالب لأداء تلك المهمة وقد أصبح نشاطهم مادة ثرية للشائعات لعدة سنوات، ولم يتم الكشف عن أنشطتهم بشكل معلن على نطاق واسع سوى خلال السنوات الأخيرة فقط.
يوضح الكتاب أن الاختراق الإلكتروني لا يمثل إحدى الحروب الباردة، لكنه لا يمثل كذلك إحدى الحروب الساخنة، لكن هناك الحروب السيبرانية التي تضم مقاتليها من الأفراد والمجموعات والدول ضد أفراد وشركات وحكومات دول أخرى.
تشارلس آرثر صحفي مستقل ومؤلف بريطاني شهير، ومحرر متخصص في العلوم وتكنولوجيات الحاسوب في صحيفة الإندبندنت البريطانية لأكثر من ثلاثين عاماً، خلال الفترة من 1995 إلى 2004 وعمل بعد ذلك باحثاً في قسم العلوم الاجتماعية في جامعة كمبردج.