لنحو عامين، تكتوي غزة بالألم وحدها، لكن مخاض الحل تنفرد به عواصم عدة، بعضها يصر على نسفها من الوجود كلياً، وثان يحاول مجدداً منح ما لا يملك من لا يستحق، وثالث يرى فيه ميدان أحلامه الاستثمارية، فيبني فوق الركام وبقايا البشر فردوسه العقاري المتخيل، ويرى، رغم غبار الحرب المأساوية، غداً واضح المعالم محسوباً بالورق والقلم.
ربما نكون على مقربة من الساعات الأخيرة من نهاية تأخرت طويلاً لجولة عبثية من حروب المنطقة، جعلت من القطاع عنوان وصمة عار في جبين البشرية بما عانته من قتل وتجويع وتشريد، وهدفاً لمزيج من جرائم الإبادة المتعمدة التي تحاول تحقيق حلم يتوارثه ساسة إسرائيليون وخلاصته أن يصحوا ذات يوم فيجدوا غزة في جوف البحر.
لن يبتلع البحر غزة، لكنها، بلا شك، تبحث عن خلاص، ولا أحد خارج الغرف المغلقة يعرف، حتى الآن، إلى أين تمضي بها الخطط، فالمعلن أكثر من المخفي في الصدور والملفات، ولا أحد يتوقع غلبة لحُسن النوايا أو سوئها.
لعله يكون الأسبوع الأخير قبل توقف مأساة العامين في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وربما نرى خلال ساعات أي السبل أنجح في ذلك، فغزة كلها، أي ما تبقى من بشرها وبنيانها، بحاجة إلى أن تذهب إلى البحر، لكن هذه المرة بإرادتها، أن تشكو إليه من ورطوها، ومن خذلوها، أن تبكي عنده من فقدوا أرواحهم أو قدرتهم على الحياة.
النهاية مطلوبة، والكل يعمل من أجل بلوغها، لكنها لن تكون كل شيء في غزة، بما لا تدقق كثيراً في تفاصيل الاتفاق، فلديها عبء ثقيل، وهو أن ترفع ركام مأساة العامين الماضيين، فليس كل شيء مما جرى معلوماً، وكل الصور التي تعاقبت على الشاشات منذ اليوم الأول لا تكفي، على غزارتها وقسوتها، لاكتمال الرواية.
هناك ما أخفته إسرائيل، وهناك ما عجزت العدسات عن استيقافه، وما يطويه الركام من بقايا بشر وحيوات كانت مكتفية بالقدر المستطاع من الأمان والأمل، لكن أنانية طرف، وإجرام آخر حرماها منهما.
مع النهاية، ستخرج من تحت الركام قصص الجوع التي لم تحصها المنظمات الدولية ولا صرخات الغزيين أمام الكاميرات أو تحت موجات الموت المتدفق من كل صوب.
ستعيد النهاية كتابة التقارير، ليعرف العالم أن كسرة خبز في وقت ما كانت تساوي كل ما فيه، وأن تفاصيل الموت والحياة اشتبكت قبل بلوغ المستشفيات أو عند أبوابها التي أمعنت آلة الحرب في إغلاقها واحداً بعد الآخر، أو بين يدي أطبائها وممرضيها الذين كان القصف يحوّلهم في ثوان من رموز للنجاة إلى جرحى وقتلى.
تحت الركام، بلا شك، أدلة على الذين أججوا نيران الحرب وأخذوا بشر غزة ومستقبلها رهينة يفاوضون بها آخرين يحاولون إلقاء المنطقة كلها في النار..
حين تتوقف الحرب، سيقول الركام كل شيء.
[email protected]
ما تحت ركام غزة
28 سبتمبر 2025 00:04 صباحًا
|
آخر تحديث:
28 سبتمبر 00:04 2025
شارك