مع تصاعد حدة الأزمات العالمية والصراعات الجيوسياسية في العالم يسجل الإنفاق العسكري أعلى معدلاته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على حساب القطاعات التنموية، وذلك من أجل تمويل الحروب والصراعات أو الاستعداد لحروب مقبلة، وهو ما حذر منه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش خلال جلسة نقاش مفتوحة في مجلس الأمن بالقول «إن ما هو مثير للقلق أن نرى الدول تنفق مبالغ هائلة على التسلح، بينما تخفض ميزانيات الأمن الغذائي وتغير المناخ والتنمية المستدامة»، أضاف «أن الحروب تستهلك أموالاً أكبر من تلك المخصصة لبناء السلام»، ودعا إلى «تحويل حتى جزء بسيط من هذه الموارد لسد فجوات كبيرة في التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية والطاقة».
وفيما يلتهم السلاح نحو 2.800 تريليون دولار، فإن ما يقدر بعشرة في المئة من سكان العالم يعيشون في فقر مدقع، أي ما يقارب 808 ملايين شخص، مع توقعات بزيادة العدد في وقت قريب. كما أن معظم أهداف التنمية المستدامة لعام 2030 التي أقرتها الأمم المتحدة عام 2015 لمعالجة الأبعاد الثلاثة للتنمية المستدامة: الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وتشمل مجالات مثل القضاء على الجوع والفقر، وتوفير التعليم الجيد والوصول إلى مياه نظيفة وتعزيز السلام والعدل، كلها أهداف باتت في مهب الريح، رغم أن القضاء على الجوع عالمياً يتطلب فقط 93 مليار دولار سنوياً، أي نحو 4 في المئة من الإنفاق العسكري لعام 2024، فيما تتراوح كلفة التلقيح الكامل للأطفال بين 100 و285 مليار دولار سنوياً.
هذا الواقع يدل على أن العالم يضع الحروب والصراعات أولوية في أهدافه ويتخلى عن الأهداف الإنسانية التي كان قد التزم بها، رغم أن الإنفاق العسكري المفرط لا يضمن السلام بل يقوضه ويؤججه، ويعزز انعدام الثقة، كما يقلل قدرة المؤسسات الدولية على القيام بواجبها في صون الأمن والسلام العالميين.
لذا لا بد من إعادة توجيه جزء من الإنفاق العسكري بما يمكّن من سد الفجوات الكبيرة في التعليم والرعاية الاجتماعية والصحية، والبنية التحتية والطاقة النظيفة، ويحمي الفئات الأكثر فقراً في العالم.
وإذا كانت النفقات العسكرية العالمية ارتفعت بنسبة9.4 في المئة في عام 2024، فإن هذه النسبة ارتفعت أكثر عام 2025 ما يعكس تزايد اعتماد الدول على الحلول العسكرية في مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة، بدل اعتماد الحوار والمفاوضات والحلول الدبلوماسية
ووفقاً للبيانات الصادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فقد قامت الدول الخمس عشرة الأكثر إنفاقاً على زيادة موازناتها العسكرية، مع تسجيل معدلات زيادة في كل من أوروبا والشرق الأوسط. ومن بين هذه الدول، أوكرانيا، واليابان، وإسرائيل، وكوريا الجنوبية، وبولندا، وإيطاليا، وأستراليا. وفي هذا السياق أنفقت الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، وألمانيا والهند ما مجموعه 1.635 تريليون دولار، أي ما يعادل نحو 60 في المئة من الإنفاق العسكري العالمي.
في ظل هذه البيئة الاستراتيجية الدولية الملتهبة، الممتدة من أوكرانيا إلى أوروبا والشرق الأوسط، إلى شبه الجزيرة الكورية والبحر الكاريبي وتايوان وبحر الصين الجنوبي، يقف العالم عند مفترق طرق أمام خياري الحرب التي تعني كارثة عالمية، والسلام الذي يفرض سلوك الحوار والدبلوماسية.