د.إدريس لكريني
أعاد استخدام الولايات المتحدة الأمريكية لحق النقض (الفيتو) داخل مجلس الأمن ضد مشروع قرار تقدمت به مجموعة من الدول غير دائمة العضوية، في سياق الدعوة لوقف جرائم الاحتلال الإسرائيلي في غزة بشكل فوري مع الإفراج عن المعتقلين، النقاشات بشأن الإشكاليات التي يطرحها استخدام هذا «الحق» على مستوى حفظ السلم والأمن الدوليين وتعميق أزمة مصداقية الأمم المتحدة.
إن «الفيتو» هو اصطلاح لاتيني يحيل إلى المنع، وإلى تلك الوسيلة التي تسمح بها القوانين والاتفاقيات لهيئة أو شخص لممارسة حق الاعتراض للحيلولة دون إصدار قرار أو تشريع.
وعلى المستوى الدولي، أثار منح استخدام حق «الفيتو» داخل مجلس الأمن كجهاز رئيسي للأمم المتحدة لخمس دول هي بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والاتحاد السوفييتي سابقاً (روسيا حالياً) والصين، نقاشات سياسية وأكاديمية متباينة متجددة منذ تأسيس الهيئة الأممية.
لم يشر ميثاق الأمم المتحدة بصفة صريحة إلى «الفيتو» غير أن المادة السابعة والعشرين منه أكدت أن قرارات مجلس الأمن تصدر في المسائل الإجرائية بموافقة تسعة من أعضائه، فيما «تصدر قرارات مجلس الأمن في المسائل الأخرى كافة بموافقة أصوات تسعة من أعضائه يكون من بينها أصوات الأعضاء الدائمين متفقة..».
وتبرز الكثير من الدراسات إلى أن الولايات المتحدة كانت وراء طرح فكرة «الفيتو» خلال الإعداد لتأسيس هيئة الأمم المتحدة، وهو ما لقي في حينه معارضة شديدة من لدن مجموعة من الدول التي عبرت عن تخوفها من إمكانية توظيف هذا «الحق» خدمة لأهداف خاصة للدول الدائمة العضوية بالمجلس.
ورغم أن الدول المتمتّعة بهذه الإمكانية أعلنت خلال الأشغال التحضيرية لتأسيس الأمم المتحدة أنها ستلتزم باستعمالها «الفيتو» بحسن نيّة، وتسخّره لخدمة السّلم والأمن الدوليين، إلا أن الواقع أبرز بالملموس استغلال هذه التقنية بشكل مبالغ فيه من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي سابقاً، خدمة لأهداف خاصة وضيّقة على امتداد فترات الحرب الباردة.
فقد استخدم «الفيتو» في نحو 279 حالة خلال الفترة الممتدّة ما بين سنة 1946 وسنة 1990، وهو شلّ مجلس الأمن وعطّله عن تحمل مسؤولياته، بل وأساء لمصداقية الأمم المتحدة بشكل عام. كما استغلّ في عرقلة مصالح المجتمع الدولي بعدما انتقل الصراع بين القطبيين إلى داخل الأمم المتحدة، ما عرّض العالم لكثير من المخاطر والأزمات، فيما كانت كلفته ضخمة على مسار القضية الفلسطينية وعدد من القضايا العادلة.
ومع انهيار القطبية الثنائية ونهاية الحرب الباردة برحيل الاتحاد السوفييتي، شهد أداء مجلس الأمن قدراً من الدينامية، اعتبر معها الكثير من الباحثين أن الأمر يعكس طيّاً نهائياً لممارسة «حق الاعتراض» من الناحية الواقعية على الأقل.. غير أن تزايد الانحرافات في أداء المجلس وتكريسه لتدخلات انتقائية في مقابل تهميش مجموعة من القضايا والأزمات والأولويات الدولية، كما هو الشأن بالنسبة للقضية الفلسطينية التي لم يتحرك المجلس بشأنها رغم حجم الخروقات والاعتداءات المتكررة المرتكبة من قبل إسرائيل داخل الأراضي المحتلة، أبرز أن هذه الإمكانية ما زالت توظف بصور مختلفة كالتهديد باستخدامها خلال طرح مشاريع قرارات المجلس..
رغم خطورة الجرائم والانتهاكات التي ترتكبها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة على امتداد ما يربو من العامين، من خلال القصف العشوائي الذي يستهدف المدنيين نساء وأطفالاً وعجزة، وتدمير البنى التحتية من مستشفيات ومدارس ودور للعبادة، وفرض الحصار ما يحول دون وصول المواد الأساسية للقطاع، بالإضافة إلى التهجير القسري للسكان.. إلا أن المجلس لم يتحمل مسؤولياته المتصلة بردع العدوان وحفظ السلم والأمن الدوليين لوضع حدّ لهذه الجرائم.
والواقع أن هذا العجز والانحراف في الأداء يعود أساساً إلى الطابع السياسي للمجلس وللتعقيدات المتصلة باتخاذ القرارات، والتهديد باستخدام «حق الاعتراض» الذي غالباً ما يفقد قرارات المجلس قوتها ونجوعها في تحمل المسؤوليات المرتبطة بحفظ السلم والأمن الدوليين. أثبتت الممارسة الدولية خلال العقود الأخيرة عن معادلة مختلة، يعكسها التطور المذهل للعلاقات الدولية بتشابكها وانفتاحها وتسارعها المذهل من جهة أولى، والجمود الحاصل في أداء المجلس والأمم المتحدة من جهة ثانية.
لا يمكن نفي الجهود التي بذلتها الأمم المتحدة منذ تأسيسها في سبيل حفظ السلم والأمن الدوليين، فالعالم من دونها سيبدو قاتماً، فقد قامت بعدد من المبادرات والتحركات على المستوى الوقائي، وشكلت مركزاً للحوار ولتشبيك العلاقات بين الدول في مختلف المجالات. ومع ذلك، فعودة القوة العسكرية بشكل متزايد إلى الواجهة الدولية، وعجز مجلس الأمن عن تحمل مسؤولياته، كلها عناصر تمثل تحديات كبرى بالنسبة لهذه الهيئة التي تقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تعتمد إصلاحات جذرية تروم «دمقرطتها» من خلال تجاوز الإشكالات المرتبطة بالتمثيلية والتصويت داخل مجلس الأمن، والتخلي عن «حق الفيتو» الذي يخلّ بمبدأ المساواة في السيادة المنصوص عليه في الميثاق الأممي أو عقلنة استخدامه في أقل الأحوال، ثم انفتاحها على المتغيرات الدولية الراهنة بموازينها وأولوياتها وتحدياتها المختلفة.. أو انتظار المصير المحتوم المتمثل في الزوال، مثلما حدث مع عصبة الأمم التي سقطت في التساهل مع استخدام القوة في العلاقات الدولية.