للمرة الأولى منذ بدء العدوان الإسرائيلي المدمر على قطاع غزة قبل عامين، توجد اليوم فرصة حقيقية لإنهائه ومعالجة تداعياته الكارثية، بعد إعلان حركة «حماس» موافقتها على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي دعا بدوره إسرائيل إلى وقف إطلاق النار بشكل فوري وبدء المرحلة الأولى من الخطة القاضية بتجميد القتال.
وللمرة الأولى أيضاً يتطلع الفلسطينيون لانتهاء العدوان على غزة، ويأملون وقف المجازر وإنهاء المعاناة، التي لم يشهد لها التاريخ الحديث مثيلاً، وتسببت في كارثة إنسانية مؤلمة هزت الوعي والضمير الدوليين وأحدثت تغييراً عميقاً في الرأي العام العالمي الذي ينتظم في اصطفاف منقطع النظير لدعم الشعب الفلسطيني ونصرة قضيته العادلة والاعتراف بدولته المشروعة.
وفي انتظار نجاح المفاوضات المصيرية التي تستضيفها القاهرة، يمكن التفاؤل بأن صفحة الحرب والمأساة ستطوى بلا رجعة، وسيحاول سكان قطاع غزة العودة إلى الحياة رغم الأهوال التي عايشوها وعاشها معهم العالم أجمع بالصوت والصورة وعبّر عنها تضامن لا مثيل له مع الفلسطينيين وعزلة لم تخطر على بال لإسرائيل، وانقلاب في مواقف دول كبرى، مثل بريطانيا وفرنسا، وكل ذلك ساهم في الضغط لإنهاء هذه الحرب إلى أن تبلورت الخطة التي أعلنها ترامب الثلاثاء الماضي ولقيت دعماً دولياً وعربياً، رغم وجود بعض التحفظات التي ستتجاوزها بلا شك المفاوضات الجارية في القاهرة.
بعد انتهاء هذه الحرب تماماً سيبدأ قطاع غزة فصلاً جديداً من تاريخه كجزء أصيل من الدولة الفلسطينية المنشودة. وإذا صدقت التعهدات المعلنة ستنسحب إسرائيل وتتدفق المساعدات الإنسانية، وتبدأ إعادة الإعمار وعودة المهجرين قسراً إلى أنحاء القطاع كافة، رغم أن الألم الذي لحق بالفلسطينيين والعالم بأسره لن ينسى، ولا يجب نسيانه حتى لا يتكرر العدوان مرة أخرى. ورغم ما عرفته هذه الحرب المجنونة من إفراط إسرائيلي في استخدام القوة والقتل والتدمير، إلا أنها لم تحقق ما أعلنته من أهداف، وها هي تجلس مجدداً إلى طاولة المفاوضات لاستعادة من بقي لها من رهائن في غزة، ولو كان هناك احتكام للدبلوماسية منذ الأسابيع الأولى للحرب، لما وصلت التداعيات إلى هذه الدرجة من الفظاعة، ولما أزهقت أرواح عشرات الآلاف من الأبرياء وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين مرات عدة، فضلاً عن الانتهاكات والجرائم والتجاوزات التي لم تعرفها حرب أخرى بشهادة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية التي تتابع يوميات هذا الصراع ساعة بساعة.
ما حدث في قطاع غزة، الذي لا تزيد مساحته على 365 كيلومتراً مربعاً، كان فضيحة للمجتمع الدولي وعاراً للإنسانية لا يغسله إلا إنهاء هذه الحرب وملاحقة كل من أجرم فيها أمام القضاء الدولي حتى لا تكون سابقة بلا محاسبة. أما بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني فقد آن الأوان لتوحيد الموقف الوطني والبناء على ما تحقق من زخم الاعتراف بالدولة الفلسطينية بفضل صمود غزة التي قدمت نحو 10 في المئة من أبنائها ضحايا ومصابين ومفقودين، وأحبطت كل مخططات التهجير التي كان التطرف الإسرائيلي يضع لها الأفخاخ ويصنع المؤامرات التي يبدو أنها ستسقط تماماً إذا نجت مفاوضات إنهاء الحرب من الشياطين الكامنة عادة في التفاصيل.