وليد عثمان

حسناً فعلت «حماس» باستباقها وعيد الرئيس الأمريكي ترامب بأن يدفع بها إلى الجحيم إن لم توافق على خطته لإنهاء الحرب في غزة، وقبولها الإفراج عن الرهائن الإسرائيليين، الموتى والأحياء، لديها، والتفاوض على إطار لذلك وما بعده.
بالفعل، نحن في بداية التفاوض في القاهرة، والبادي أن كل طرف حقق مأربه قبل أن ينتهي الأسبوع الأول من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أي قبل أن يكتمل عامان على بدء مأساة غزة في السابع من الشهر نفسه عام 2023، وقبل إعلان الفائز بجائزة نوبل للسلام، التي يأمل الرئيس الأمريكي أن يكون هو، وغير ذلك سيكون إجحافاً بحقه وحق بلده بعد دوره الذي يراها حاسماً في إنهاء الحروب حول العالم.
ترامب الذي رشحه البعض رسمياً للجائزة، ومنهم إسرائيل، هو واحد من 244 فرداً سجل معهد نوبل النرويجي ترشحهم ل «نوبل للسلام»، فضلاً عن 94 منظمة، ولا يحق الإعلان عن هوياتهم إلا بعد مرور خمسين عاماً، وفق القواعد المعمول بها في هذا الشأن.
ربما يكون ترامب الأقرب إلى «نوبل»، فالمعايير في أحيان كثيرة أقرب إلى الغرائبية، إنما كان من بعض العدل، وإن كان وقت ذلك فات، أن يقاسمه الجائزة كل الأطراف التي عملت على خطة غزة: بنيامين نتنياهو ورفاقه في الحكومة الإسرائيلية، و«حماس»، والوسطاء، ومَن سعوا، من عرب وأجانب، في الوصول إلى هذه النقطة التي تحمل اسم الرئيس الأمريكي وحده.
لا يهم أمر «نوبل» الآن، فهي دائماً، خاصة في فرع السلام، مثار جدل. المهم أن جحيم ترامب تفادته «حماس»، حتى الآن، لكن ماذا عن جحيم الغزيين الأولى بالجائزة العالمية المرموقة؟ وهل تعني الأجواء الإيجابية المحيطة بخطة ترامب أن نهاية هذا الجحيم الحقيقي المعترف به من منظمات ودول كثيرة ينتهي قريباً؟ من الطبيعي أن تؤجل مجدداً «احتفالات» الغزيين ببريق أمل يأتي من خطة ترامب كل الأسئلة التي فجّرتها حرب العامين. هم بحاجة إلى مجرد تأجيل جديد لمساءلة واجبة في حق صناع هذا الجحيم الذي يحتاج إلى عقود لمداواة آثاره العميقة في نفوس فقدت أحباءها، وبيوتها، وإحساسها بالأمان، وجُرحت كرامتها بالحرمان من الغذاء والدواء.
لن يتبدل كل ذلك على الفور، وقد لا تصمت المدافع كلها فجأة، فكل ذلك أصبح معقوداً بنتائج المفاوضات، وما تتضمنه من ترتيبات لا تخص غزة، أو فلسطين عموماً، وحدها، وإنما يشتبك فيها الشأن الداخلي الفلسطيني بمحيطه، والإقليمي بالعالمي، والمراوغات والمؤامرات ونوايا حسنة.
كل ذلك قد يطول، ومعه تحاول إسرائيل فرض واقع جغرافي جديد في قطاع غزة وتلخص جحيم أهله في جنوبه حتى تستقر الخطط والمفاوضات على شكل لإدارته.
وبهذا، قد يستمر ما رأيناه في غزة عامين، لكن بوتيرة أخرى أكثر تكثيفاً، ما يعني أن يبقوا وحدهم في جحيمهم بعد أن يهرب صنّاعه بمغانمهم.

[email protected]