الصوت العربي في الكنيست الإسرائيلي أو في الحياة السياسية عامة في إسرائيل صوت مثير للجدل لمن لا يعرف الظروف أو الخبرة التاريخية لفلسطينيي ال1948، لأنه يتهم بالعمالة والخنوع وأنهم يعملون في مؤسسة إسرائيلية، ليس فقط في الكنيست لكن في أي مؤسسة أو شركة في الداخل الفلسطيني. ومن يفهم تطلعاتهم سيعي وجودهم في الكنيست وفي أي مؤسسة إسرائيلية، أنه التعامل مع أمر واقع إلى حين تغييره بطريقة أو أخرى. والنائب العربي في الكنيست الإسرائيلي حصل على أصوات عربية وليست يهودية، وله برنامجه الانتخابي الوطني، فما أهمية الصوت العربي في الكنيست الإسرائيلي؟
الصوت العربي ليس مجرد مشاركة سياسية إنما له صلة بالهوية، وموازين القوى وهو أداة لتأثير الأقلية العربية في القرارات ذات الصلة بحياتها. ويواجه الصوت العربي داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية تحديات كثيرة منها أنه عرضة ليكون تابعاً لسياسة الكنيست، أو يحاول أن يكون مستقلاً وقادراً على التعبير عن مصالح الفلسطينيين العرب.
الصوت العربي يدافع عن الحقوق اليومية للفلسطيني، وأهمها مواجهة التمييز، وتوفير الخدمات، كالسكن والتعليم والرعاية الصحية كحق أصيل. كما يسعى إلى التأثير في تشكيل الحكومة، بحيث يصبح النواب العرب عاملاً حاسماً في تشكيل ائتلاف حكومي أو منعه، كما حدث بعد الانتخابات الأخيرة، حيث بلغ عدد الأصوات العربية 10 مقاعد في الكنيست السابق (تاريخياً، دخلت القائمة العربية الموحدة، ائتلافاً حكومياً عام 2021 للمرة الأولى في التاريخ السياسي الإسرائيلي).
ويهدف الصوت العربي إلى نقل الموقف الفلسطيني إلى قلب البرلمان الإسرائيلي، وكشف التناقض بين الخطاب الرسمي والممارسات على الأرض. إضافة إلى ذلك، فإن وجود تمثيل عربي قوي يطرح سؤال المساواة بين المواطنين في دولة تعرّف نفسها بأنها الدولة القومية للشعب اليهودي، ويتيح الجمع سياسياً بين المواطنة الإسرائيلية والهوية الفلسطينية، وإن كان هذا الجمع موضع خلاف حاد داخل المجتمع الإسرائيلي. وهناك خلاف داخل الأحزاب العربية أيضاً بشأن المشاركة في الحكومة، وحدود التعاون مع الأحزاب الصهيونية.
وإذا ألقينا نظرة على نشوء الأحزاب العربية، قد نعرف تحديات وجودها. فقد نشأت بسبب بقاء جزء من الشعب الفلسطيني داخل حدود الدولة الجديدة التي تم إنشاؤها في عام 1948، والتي حاولت طمس الهوية الفلسطينية، ثم تطوّر الوعي السياسي من محاولة حماية المصالح اليومية إلى المطالبة بالحقوق القومية والاعتراف بالهوية الفلسطينية.
ولا بد من التمييز بين القوائم العربية التي نشأت تحت رعاية أحزاب إسرائيلية، والأحزاب العربية التي سعت إلى بناء تمثيل سياسي مستقل. لقد ظهرت أحزاب عديدة في تلك المرحلة تحمل مسارات سياسية مختلفة، منها القوائم العربية التابعة لحزب (مباي)، أي حزب العمل الحاكم آنذاك، الذي أنشأ قوائم عربية مرتبطة به، ولم تكن هذه القوائم مستقلة تماماً في قراراتها السياسية، ومنها أيضاً الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وكان إطاراً مشتركاً للعرب واليهود، ووفّر مساحة سياسية معارضة للصهيونية، ودافع عن المساواة وحقوق المواطنين العرب.
وفي أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، ظهرت حركة الأرض، وهي حركة قومية فلسطينية سعت إلى التعبير عن الهوية العربية الفلسطينية خارج الأطر السياسية التابعة للأحزاب الصهيونية.
وشهدت السبعينيات أيضاً بروز جيل عربي جديد أكثر تعليماً وتنظيماً، وازداد النشاط الطلابي والسياسي، ولا سيما بعد أحداث يوم الأرض في 30 مارس 1976.
وفي الثمانينيات (1988) تم تأسيس الحزب الديمقراطي العربي، بزعامة عبد الوهاب دراوشة، بعد انشقاقه عن حزب العمل، ومثّل خطوة مهمة نحو تشكيل حزب عربي مستقل عن الأحزاب الصهيونية، مع تركيز على الحقوق المدنية والسياسية للعرب داخل إسرائيل، أما في التسعينيات فقد تم إنشاء التجمع الوطني الديمقراطي بقيادة عزمي بشارة، وطرح بوضوح أكبر فكرة دولة المواطنين المتساوين، مع التأكيد على الهوية القومية الفلسطينية للعرب في إسرائيل. وفي عام 2015 اتفقت أربعة أحزاب عربية أو ذات قاعدة عربية واسعة، على خوض الانتخابات ضمن القائمة المشتركة.
بناء على السرد التاريخي السابق، يتضّح أن الإنسان الفلسطيني لم يصمت أمام حملات التهويد، وهو ناضل بالوسائل السياسية للدفاع عن هويته وانتمائه العربي والإسلامي، ويبدو أن قادة الأحزاب قادوا العملية بذكاء، فمن الانتماء إلى أحزاب تحت وصاية إسرائيلية، إلى أحزاب شيوعية وقومية لا تحكمها السياسة الصهيونية، ثم إلى أحزاب عربية تملك قرارها وتدافع عن حقوق الفلسطينيين داخل إسرائيل. ويبدو أن الزعامات الفلسطينية في أراضي ال48 قد استطاعت إثبات وجودها السياسي، وسيتسع نفوذها مع الزمن.
