بعد عامين على هجوم 7 أكتوبر 2023، واندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، لا يزال لهيب هذه الحرب يلفح وجوه مئات آلاف المدنيين الذين تحولوا إلى ضحايا محرقة تدار على شكل مذبحة يومية قتلت وأصابت نحو ربع مليون فلسطيني، وباتت توصف بالإبادة الجماعية في معظم المحافل الدولية، بينما تم ترسيم المجاعة أممياً ودولياً بعد الحصار المطبق وإغلاق كل منافذ إدخال المساعدات وقطع المياه والكهرباء، وتدمير كل مقومات الحياة في قطاع غزة. ومع ذلك، وصلت إلى عمق مدينة غزة، ومعها تتكرر حرب التهجير القسري إلى مناطق وصفت بأنها آمنة، لكن سرعان ما تبين أنها ليست آمنة، بل مهزلة، وفق الأمم المتحدة. وسط كل هذا الوضع المأساوي والكارثة الإنسانية المروعة، وقبل نحو أسبوع واحد فقط من الذكرى الثانية لهجوم 7 أكتوبر، طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطته المؤلفة من 20 بنداً لإنهاء الحرب واستعادة الرهائن المحتجزين، ضمن رؤية أوسع تشمل السلام الإقليمي برمته، ووسط آمال بإمكانية قلب الواقع الذي تعيشه المنطقة رأساً على عقب، خصوصاً بعد موافقة حركة «حماس» عليه، وإذا تمكنت الخطة من تجاوز التحديات الكبيرة التي تواجهها، خصوصاً وأنها تحد من مطامع اليمين الإسرائيلي المتطرف، وتدفع باتجاه تسوية تاريخية يفترض أن تقود إلى «حل الدولتين»، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.

خطة ترامب

وبغض النظر عن تفاصيل خطة ترامب، فإنها من الناحية العملية دفعت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أخيراً إلى الموافقة على شروط لإنهاء الصراع تؤمن مستقبله السياسي. لكن الخطة، بشكل عام، تجبر الدول العربية على تحمل جميع التحديات الكبرى تقريباً، بينما تسمح للإسرائيليين بالقول إنهم قبلوا الصفقة، وفق ما تقول «وورلد ستريت جورنال». وبطبيعة الحال، قد تُمنى خطة ترامب بالفشل في نهاية المطاف، لأسباب تتعلق بحسابات نتنياهو ومناوراته بالدرجة الأولى، أو تحت ضغط قوى اليمين المتطرف، ما يعني أن الحرب ستستمر في عامها الثالث، وهو ما يعيد المنطقة إلى حالة التوتر التي سادت قبل أسابيع قليلة.

النظام الإقليمي

غير أن كل ذلك، يبرز الحاجة إلى تقييم الكيفية التي غيّر بها تعدد الأزمات وجه الشرق الأوسط، واحتمالات تطور مساراته خلال الأشهر المقبلة، إذ إن ما يطرح في هذه المرحلة الحاسمة أسئلة كبرى ترسم ملامح النظام الإقليمي الجديد، وما إذا كانت إسرائيل، من موقعها الجديد بصفتها القوة المهيمنة، ستتمكن من رسم ملامح النظام الإقليمي المقبل، إذ بإمكانها استثمار ما تعتبره مكاسب ميدانية كنقطة انطلاق نحو إطار أمني إقليمي يكرّس اندماجها في الشرق الأوسط. لكن ذلك يقتضي إنهاء الحرب في غزة، وتسريع وتيرة التطبيع مع الدول العربية، وتقديم أفق سياسي موثوق للفلسطينيين، إضافة إلى فتح باب المصالحة مع سوريا ولبنان ودول عربية وإسلامية أخرى. غير أن المسار الذي ينتهجه نتنياهو يبدو أكثر تطرفاً، إذ سارع إلى إفشال المبادرات الدبلوماسية لإنهائها من خلال استهداف فريق التفاوض التابع لحركة «حماس» في الدوحة. مفاوضات الأسرى

في هذا الشأن، ينبغي الإشارة إلى أنه منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر 2023، تم إجراء سلسلة من المفاوضات بين إسرائيل و«حماس» لتبادل الرهائن الإسرائيليين بالأسرى الفلسطينيين. توسطت في المفاوضات قطر ومصر والولايات المتحدة، وكانت جزءاً من اتفاقية وقف إطلاق النار في غزة 2023. وأطلقت إسرائيل سراح 240 أسيراً فلسطينياً، 107 منهم أطفال، وثلاثة أرباعهم لم تتم إدانتهم بارتكاب جريمة. وفي المقابل، أطلقت حماس سراح 105 مدنيين، من بينهم 81 شخصاً من إسرائيل و23 تايلاندياً وفلبينياً واحداً. وهناك تاريخ من عمليات تبادل الأسرى بين العرب وإسرائيل في القضية الفلسطينية، وأبرزها صفقة شاليط في عام 2011.

من جهة أخرى، وعلى مدار عامين، ارتكبت إسرائيل جرائم إبادة جماعية في قطاع غزة، أسفرت عن مقتل وإصابة نحو 240 ألف فلسطيني، معظمهم أطفال ونساء، إضافة إلى عدد من المفقودين تحت الأنقاض، ودمار غير مسبوق في المنازل والمنشآت والبنية التحتية، والمستشفيات والمراكز الصحية والجامعات والمدارس، ومجاعة أزهقت أرواح 459 فلسطينياً بينهم 154 طفلاً.

عشرات آلاف الضحايا

وأكدت وزارة الصحة الفلسطينية في تقاريرها الدورية أن الفظائع المتصاعدة في فلسطين نتيجة العدوان الإسرائيلي المتواصل تتجاوز مجرد التقارير الرقمية، وتشكّل انتهاكات خطرة لجميع حقوق الإنسان. ويتم استهداف النظام الصحي بشكل معتمد، وهو ما يصل إلى حد الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني. ووفق بيانات الصحة في غزة، فمنذ بدء حرب الإبادة وحتى الرابع من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، وصل العدد الإجمالي للضحايا إلى 67074 قتيلاً، ونحو 169430 مصاباً يعاني العديد منهم صدمات شديدة وظروفاً تهدد حياتهم، فيما لا يزال عدد من الضحايا تحت الركام وفي الطرقات، حيث تعجز طواقم الإسعاف والإنقاذ عن الوصول إليهم حتى اللحظة. ومنذ 18 مارس/ آذار الماضي حتى اليوم، بلغت حصيلة الضحايا 13486 قتيلاً و57389 مصاباً. وأكدت تقارير وزارة الصحة والمؤسسات الدولية والأممية أن 34 مستشفى من أصل 36 مستشفى كانت تعمل في القطاع قبيل حرب الإبادة، تضررت كلياً أو جزئياً، حيث شن الجيش الإسرائيلي أكثر من 400 هجوم على المرافق الصحية والعاملين فيها. ويعمل حالياً عدد من المستشفيات جزئياً، أبرزها مستشفى الشفاء والأهلي العربي «المعمداني» في مدينة غزة، ومستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، ومستشفى العودة في النصيرات، ومستشفى ناصر في خان يونس، إلى جانب عدد من المستشفيات الميدانية التي أقيمت خلال الحرب. كما دمر الجيش نحو 150 مركبة إسعاف، واستهدف طواقم الإسعاف، ومنعها من أداء عملها في الوصول إلى المصابين والمرضى.

إقرار أممي بالمجاعة

في 22 أغسطس/ آب الماضي، أكد تصنيف دولي لانعدام الأمن الغذائي، تشارك فيه الأمم المتحدة، حدوث المجاعة في محافظة غزة وتوقع انتشارها إلى محافظتي دير البلح وخان يونس. وقال التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي إن أكثر من نصف مليون شخص في قطاع غزة يواجهون ظروفاً كارثية، أي المرحلة الخامسة من التصنيف، ومن خصائصها الجوع الشديد والموت والعوز والمستويات الحرجة للغاية من سوء التغذية الحاد.

وقالت وكالات الأمم المتحدة إن «التطورات الأخيرة، بما فيها تصاعد القتال وتكرار النزوح وتشديد الحظر على الوصول الإنساني، فاقمت الوضع الإنساني». وذكرت أن الأثر التراكمي لتلك العوامل دفع غزة إلى كارثة غير مسبوقة حيث يُقيد بشدة وصول غالبية السكان إلى الغذاء والمياه النظيفة والخدمات الأساسية. ويُعد ذلك أسوأ تدهور للوضع منذ أن بدأ التصنيف تحليل انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية في غزة، والمرة الأولى التي يتم فيها تأكيد حدوث مجاعة بشكل رسمي في منطقة الشرق الأوسط.

النزوح القسري

أكدت وكالة «الأونروا» أن 1.9 مليون شخص نزحوا قسراً في قطاع غزة منذ بدء حرب الإبادة، مشيرة إلى أن الغالبية العظمى من سكان القطاع نزحوا مرة واحدة على الأقل. وأعلنت الأمم المتحدة نزوح أكثر من مليون و200 ألف شخص جراء العدوان الإسرائيلي على مدينة غزة منذ منتصف مارس/ آذار الماضي.

دماء أبناء غزة تغرق إسرائيل في عزلة دولية واسعة

لم تمض الجرائم الإسرائيلية، التي لا تحصى في غزة بلا ثمن، فبعد عامين من الحرب العدوانية ها هي إسرائيل تغرق في عزلة دولية واسعة جراء ما سفكته من دماء للأبرياء ومنذ اقتراب انتهاء العقد الثامن على تأسيسها، تشهد إسرائيل عزلة دولية لم تشهد لها مثيلاً، بينما تتوالى الاعترافات بالدولة الفلسطينية من أقرب حلفائها وحلفاء الولايات المتحدة. وتتبدّى هذه العزلة اليوم بوصفها أحد أبرز التحولات في النظام العالمي المعاصر، ليس فقط لكونها تعبّر عن انكشاف دبلوماسي نادر لدولة لطالما تمتَّعت بدعم غير مشروط من قوى غربية كبرى؛ بل لأنها تذكّر المجتمع الدولي، في لحظة حرجة من الفوضى والصراعات، بضرورة التمسك بمفهوم الدولة والمنظمات الدولية حتى لو كانت في أسوأ حالاتها. ففي أسبوع واحد من شهر سبتمبر الماضي، توالت الضربات السياسية على الدبلوماسية الإسرائيلية: إدانة صريحة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للضربة العسكرية التي استهدفت قادة «حماس» في الدوحة، ثم بيان بالإجماع في مجلس الأمن يدين العملية ويدعم قطر، وأخيراً التصويت الساحق في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح مبادرة فرنسية ــــ سعودية لإقامة دولة فلسطينية، حيث أيَّدها 142 بلداً من أصل 164. ثم توالت الاعترافات بالدولة الفلسطينية من دول أوروبية وغربية وازنة، لطالما اعتبرت حليفة تاريخياً لإسرائيل، وهي مؤشرات تعكس مشهداً غير مسبوق من العزلة، يكشف عن أنه حتى حلفاء الأمس بدأوا يعيدون حساباتهم، وأن إسرائيل فقدت غطاءها الدبلوماسي التقليدي. وحدها الولايات المتحدة وقفت بجانب إسرائيل، وواصلت توفير التغطية السياسية لها وحمايتها في المحافل الدولية، واضطرت لاستخدام حق «الفيتو» 6 مرات في مجلس الأمن لمنع وقف إطلاق النار في غزة، لكنها في النهاية، وجدت نفسها هي في عزلة عن المجتمع الدولي، وبدأت تترسخ لديها القناعة بأن إسرائيل تواجه عزلة دولية حقيقة بسبب جرائمها في غزة، إلى الحد الذي بدأت تفقد رصيدها ليس فقط في الشارع الأمريكي، وإنما في داخل البيت الأبيض، وهو ما عبر عنه ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو في الأيام الأخيرة. وكل هذه العوامل تعني أن شرعية إسرائيل السياسية والأخلاقية تآكلت وفي طريقها لمرحلة ما بعد العزلة. وهو تحول يعيد إلى الأذهان لحظة عزلة نظام الفصل العنصري بجنوب إفريقيا في الثمانينات، حين مهّد الضغط الدولي لانهيار منظومة سياسية بدت عصية على التغيير.

العدوان يدمر آثار غزة الأثرية والتاريخية

لم تقتصر الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين منذ عامين على تدمير العمران الحديث والبنى التحتية والمنازل في قطاع غزة؛ بل امتدت لتطول غالبية المعالم التاريخية والآثار التي تشهد على حضارات متعاقبة عمرها آلاف السنين.

ومنذ 7 أكتوبر 2023، دمرت إسرائيل نحو 208 مواقع أثرية وتراثية من أصل 325 موقعاً في القطاع، بحسب آخر إحصاءات المكتب الإعلامي الحكومي، الذي أكد أن غالبية المواقع الأثرية كانت بمدينة غزة القديمة، التي تُعرف بـ«البلدة القديمة»، وهي مدينة أثرية من الحضارة الفينيقية وتعود إلى نحو 1500 عام قبل الميلاد. وتضم البلدة القديمة الأحياء الأربعة؛ الشجاعية، والزيتون، والتفاح والدرج، وهي مناطق تعرضت لقصف إسرائيلي جوي ومدفعي واسع. وشملت المواقع الأثرية المتضررة المسجد العمري بالبلدة القديمة في غزة

وهذه أبرز المواقع الأثرية المتضررة:

* البلدة القديمة: المسجد العمري، والذي يعد من أكبر وأعرق مساجد غزة، وثالث أكبر مسجد في فلسطين بعد المسجد الأقصى في القدس، ومسجد أحمد باشا الجزار في عكا.

* كنيسة القديس برفيريوس: وهي أقدم كنيسة في غزة وثالث أقدم كنيسة في العالم، ويعود تاريخ تأسيسها للقرن الخامس الميلادي. وتقع هذه الكنيسة في حي الزيتون، وسميت نسبة إلى القديس برفيريوس، حيث تحتضن قبره.

*مسجد كاتب ولاية: ويشترك بجدار واحد مع كنيسة برفيريوس، ويعد من المساجد الأثرية المهمة بغزة، وتقدر مساحته بنحو 377 متراً مربعاً.

* مسجد السيد هاشم: يقع في حي الدرج شرقي مدينة غزة، ويُعتقد باحتضانه قبر جد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هاشم بن عبد مناف، والذي ارتبط اسمه باسم المدينة «غزة هاشم».

* المستشفى الأهلي العربي «المعمداني»: تُعتبر من مستشفيات القطاع القديمة، وتتبع للكنيسة الأسقفية الأنجليكانية في القدس حيث تم تأسيسها عام 1882 ميلادية، على يد البعثة التبشيرية التي كانت تابعة لإنجلترا.

* قصر الباشا: يقع في حي الدرج وهو أحد الشواهد العمرانية الذين تمزج بين الحضارتين المملوكية والعثمانية.