د. أمينة أبوشهاب

غزة ترسم الخطوط وعلى امتداد خط النار فيها لعامين مضيا استيقظت عقول وصحت ضمائر وتبلورت حركة عالمية محورها غزة والدفاع عنها، خرج الكثيرون من المنطقة الرمادية، ذلك لأن الاصطفاف مع غزة وأهلها هو تزكية للنفس وتبرئة لها من شبهة، بل وتهمة السكوت، هذا الموقف الذي يتخذه ويندرج فيه الكثيرون خارج المحيط العربي طبعاً هو موقف شخصي بقدر ما هو عام وهو آني وسياسي بقدر ما هو تاريخي ولقد انبثقت الروح الحرة للبشرية ولاتزال تنبثق باحثة عن العدالة وعن الفعل المضاد الذي يتكافأ مع حقيقة الجرائم ضد مجتمع رآه الجميع لحظة بلحظة وهو يتحول بواسطة كمية هائلة من عنف التقنيات الحربية المتقدمة المبرمجة بنية شريرة ضد وجوده المتماسك المنتج القوي بثقافته وضد ما كان أرضاً خضراء وفرت له الاكتفاء الذاتي. أرض غزة التي أصبحت الآن محروقة وجدباء في فعل مقصود يعدم إمكاناتها الزراعية مستقبلا كان 40% منها حقولاً خضراء، إنها المعادلة الجهنمية في جعل شعب غزة -الذي يباد- بلا أرض وبجعل تلك الأرض بلا شعب، يقول الكاتب الإنجليزي المختص بالبيئة جورج مونبوات وهو يطرح السؤال المر-لكن المنطقي- ما حاجة المدينة التكنولوجية (التكنوبولس) ذات الأبراج البراقة، تلك المزمع إنشاؤها في غزة إلى أرض خضراء تطعم أهلها؟ لا حاجة لعمالقة العقار بأرض ذات حقول خضراء وإنما ببيئة مبنية من الكونكريت والزجاج والحديد فحسب.
كم غيَّرت غزة جورج مونبوات من كاتب كانت مقالاته عنها في البداية كمن يحمل العصا من الوسط، لتنتهي به إلى أن ترخص لديه حريته الشخصية بإمكانية تعرضه للسجن (دفاعاً عن حرية التظاهر لأجلها)، جورج مونبوات الذي كتب ذات مرة أنه خارج للاعتصام بحقيبة ظهر صغيرة كل ما فيها فرشاة أسنان ودفتر، كان بمعيته أعداد من الطاعنين في السن ومهنيين ورجال دين خرجوا كلهم لسببين مترابطين: نصرة لغزة وحق التعبير وكانوا مثله يتحسبون الاحتمال القائم بإيداعهم السجن.
لَكَم تغير العالم بعد غزة، أو بالأصح لَكَم غيَّرت هي العالم الذي أصبح عالم ما بعد الإبادة وأصبح العصر الذي نعيش فيه هو عصر الإبادة: إبادة المجتمعات وإبادة الثقافة ومحو المكان وذاكرته التاريخية وقيمته التي لا تقدر بثمن للإنسان ولن تتوقف هذه الإبادة كلية، فجزء من أنماطها الثلاثة، كما هو واضح، يجري العمل عليه على قدم وساق.
عالم ما بعد الإبادة هو عالم منقسم عمودياً إلى أولئك الذين ينفون حدوثها ويشاركون إسرائيل هدف تأمين أمنها الدائم وهو هدف مطاط وواسع المدى بامتداد الجغرافيا العربية حيث يمكن أن يكون كل شيء وأي شيء مهدداً للأمن الإسرائيلي: ليس السلاح وأدوات القوة وليس الاقتصاد والثروة فحسب وإنما التعليم والثقافة وكل أولويات وثوابت الوجود الحضاري العربي والتفسير الواقعي الوحيد لإنكار حلفاء إسرائيل للإبادة وتزويدهم لها بذخائر القتل الجماعي هو أن إسرائيل ليست إلا امتداداً لسيطرة ونفوذ تلك الدول ووجودها الاستعماري تاريخياً في المنطقة، فهي الاستعمار المتجدد المندفع بكل قوة التكنولوجيا التسليحية الغربية وتقنيات المعلومات والذكاء الاصطناعي لإنجاز مشروع السيطرة في كليته في حقبته أو نسخته الصهيونية، كشفت غزة هذه الوحدة العضوية التي هي أبعد مدى من مجرد التواطؤ، فلطالما برر نتنياهو حروبه الأخيرة عن حمايته للجغرافيا الغربية من الأعداء المفترضين وهم العرب.
وإزاء ذلك التكتل هنالك حلف الإنسانية الحقة في تعاطفها الصادق واختراقها حجب الدعاية الصهيونية كما تظهر في أبهى صورها في حركة الوعي العالمي بالقضية الفلسطينية وفي أولئك الذين يرون الإبادة كواقع حقيقي ويسمونها باسمها ويتغيرون بها ويكرِّسون للوعي بها أنفسهم وكامل طاقاتهم ويتخذون هويتهم في مواجهتها وبالفعل، فإن الإنسانية لم تتمايز في العصر الحديث عما يناقضها من قوى السيطرة والاحتلال كما هي الآن، حيث تصبح غزة هي خيط الحق الذي يشد كل القضايا العالمية ويتخللها ويوحدها في لغة واحدة على فم المتضامنين، هذا الحلف الإنساني العابر للجغرافيا والأديان والأعراق والثقافات ليس مدججاً بالسلاح الفتَّاك ولكنه بالمقابل يملك الكلمة والوعي وروح العدالة والحق، أما وقفته فلم تشهدها القضية الفلسطينية في تاريخها كله ومن هنا الشروخ والتصدعات في جدار «الحقائق» الإسرائيلي حتى الانهيار الذي لم يستطع نتنياهو مؤخراً فعل أي شيء إزاءه في الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث وقف يخطب في قاعة خالية لا يسمع صدى صوته إلا أصدقاؤه المقربون، وهيهات أن يستطيع حتى مع جلسته في نيويورك مع كبار المؤثرين الأمريكان المؤيدين وحتى مع استحواذ جماعته على التيك توك. هكذا يؤكد المؤثرون الأمريكيون الكثر الذين غيروا مواقفهم ومواقعهم ليصبحوا مع غزة وفلسطين.
والسؤال هو: كيف بعد كل هذه الخسائر على جبهة الحقائق يمكن الحديث عن كسب حرب الجيوش؟ كيف يكسب مرتكب الإبادة؟.
[email protected]