د. أمينة أبوشهاب

بيسان عودة صحفية فلسطينية كان يتابع تغطياتها بالإنجليزية حرب الإبادة في غزة ما يقرب من مليون ونصف المليون شخص على منصة «التيك توك». ولم يكن صدفة أنه ما إن تغيرت ملكية «التيك توك» في الأيام الأخيرة وأصبحت في يد مجموعة من «المستثمرين» الأمريكان حتى أغلق حسابها نهائياً وبطريقة تعسفية. كان الرأي العام العالمي الشبابي بالمرصاد ودخل في نزال اضطرت معه المنصة للتراجع. لكن حين عاد الحساب اكتشفت بيسان أن هنالك تقييدات تحول دون انتشار محتواه.
«المستثمرون» نعرفهم منذ سبتمبر (أيلول) من العام المنصرم ونعرف ماذا كان يريد منهم نتنياهو وبشكل علني وليس من وراء الستار. فلم يعودوا يخفون خططهم ورغباتهم وطموحاتهم في تقييد الحريات وشن الحرب على الخارجين على سلطة السيطرة على العقل، والعودة بالأجواء السياسية (أي بحركة الوعي الجماهيري الغربي) إلى ما قبل حرب غزة. في زيارته تلك لواشنطن عبّر عن أمنيته بتمام صفقة شراء «تيك توك» كأنه موضوع أمنية وليس أن وضع المنصة تحت السيطرة هو أمر تم البت فيه لصالح إسرائيل أو ليس أنها المحور الذي يدور في فلكه كل مالكي منصات الإعلام الرقمي الاجتماعي من المليارديرات الذين يجمعون في أيديهم أيضاً تكنولوجيات المراقبة والتجسس على المجتمعات لضبط حركتها اليومية ويحصون عليها أنفاسها.
هم أنفسهم الذين يملكون التكنولوجيا القاتلة المسماة «التعرف على الوجه». كل مليارديرات التكنولوجيا مع تداخل ما يسيطرون عليه من إعلام رقمي، اجتماعي وتكنولوجيات التجسس بلا استثناء وضعوا أنفسهم في خدمة حرب الإبادة في غزة. خدمة شركة أوراكل كانت في التعرف على الوجوه التي كان لها الدور الأكبر في تعيين مكان آلاف الفلسطينيين تمهيداً لقتلهم ومالكها لاري أليسون هو اليوم المالك الرئيسي ل«تيك توك».
الآن حان الوقت للاقتصاص والانتقام من كل أولئك الذين حولوا «التيك توك» من منصة للاهتمامات غير الجدية إلى موقع فيديوهات تكشف واقع الإبادة وحقيقة القضية الفلسطينية حيث تأثر بها ما يزيد على 200 مليون مشترك أمريكي: «تيك توك» التي كان لها الدور الأكبر في صحوة تاريخية فتحت أعين عشرات الملايين في الغرب وأخرجتهم من أضاليل الإعلام الصهيوني. ولم يقتصر الحظر بالطبع على بيسان عودة بل شمل الكثيرين من الفلسطينيين من شاكلتها وغيرهم من المتعاطفين الغربيين. يتحسس «تيك توك» الجديد من اسم فلسطين ومن تفنيد الأكاذيب الصهيونية. وهكذا، ومن دون اللجوء إلى إجراءات الحظر النهائي كما حدث مع بيسان، يمكن أن تقوم المنصة بإفشال إرسال الفيديوهات، وهو ما اشتكى منه مشتركون كثر في أمريكا قائلين إن كتابة مفردات معينة تفشل عملية إرسال المحتوى.
وإذا كانت الطريقة الأخيرة بالإضافة إلى الحظر يشكلان معاً تكميماً رقمياً للأفواه وإسكاتاً تكنولوجياً بغيضاً للكلمة، فإن هنالك ما هو أكثر خبثاً واحتيالية وهو ما يتيحه النظام الخوارزمي الأمريكي الذي ربطت المنصة به بدل النظام الخوارزمي الصيني. هنا يتم بث الرسائل بنجاح، لكن شكل الرقابة الجديد يتمثل في التحكم في عددية المشاهدين والمتفاعلين، إذ تظهر هذه الأعداد متواضعة وقليلة نسبة لما اعتاده المشترك. ولربما أن هذا الأسلوب الرقابي الرقمي هو الأخطر، إذ يلغي الغاية من التعبير والنقاش وهي التفاعل مع المتلقي والتأثير والدفاع عن الحقائق. ولا يدع آدم برسر المدير التنفيذي الجديد لدينا أي وجود لشك حول السياسات الرقابية الجديدة في «تيك توك» إذ يعلن قائلاً إنه يجب اعتبار استخدام كلمة الصهيونية خطاب كراهية. وقد ترافق مع ذلك كله تدقيق شديد على مواقع المشتركين وإيحاءات واضحة بالرغبة في مشاركة البيانات. لا عجب إذاً إزاء محاولات استعباد العقل وبناء جدار حول الحقيقة أن الهجرة بالآلاف من التطبيق قد أصبحت ظاهرة. فالبدائل للتعبير هي دائماً وأبداً متوفرة. ويذهب المشتركون اليوم إلى منصة تعلن نفسها حرة تماماً هي «أبسكرولد». هذا التطبيق طوره صانع المحتوي الفلسطيني الأسترالي الجنسية عصام حجازي.
نذر العصر الظلامي الرقمي عبّر عنه رونالد لودر رئيس المؤتمر اليهودي العالمي والرأس المدبر لقصة استحواذ ترامب على غرينلاند، إذ قال في خطابه أمام المؤتمر إن «خطاب الكراهية» لا تكفي معه الإدانة بل يجب على كل دولة أن تسن قوانين شديدة قاسية تضع المروجين له في السجون لفترة طويلة... ما يسميه خطاب الكراهية له مكان واحد فقط هو الإنترنت. أما حقيقته فهي تفاعل الجمهور العالمي مع أحداث الإبادة وقتل سبعين ألف فلسطيني. التعبير عن حقائق الصراع العربي الصهيوني عقوبته السجن. وجهان لاستخدام التكنولوجيا الرقمية ضد الشعوب: رصد ملامح وجوه الغزيين و«أصواتهم الساكتة» تحت الخيام ومؤخراً رصد وجوه المهاجرين البائسين في مينيسوتا كما في فضيحة الشركة الفرنسية كابجيميني.
[email protected]