وليد عثمان

قبل عامين، وجد أهل غزة أنفسهم، بغير قرار منهم، في قلب نار جولة جديدة من الحرب مع إسرائيل بلغت تداعياتها حداً مأساوياً عزّت معه أبسط مقومات الحياة. والآن، ووفق اتفاق لم يوقع بعد ويكتنف مراحله الغموض والترقب الحذر، يحاول الغزيون استعادة أقل ما يتوفر لهم من صور العيش، من دون أن تعنيهم بنود خطة ترامب ولا مآلاتها إلا بالقدر الذي يضمن ألا يعيدهم مرة أخرى إلى أتون الحرب.
ما يشغل من تبقى من سكان غزة، منذ أن صمتت آلات الحرب، هو ما اكتوت به أنفسهم منذ أن قررت حركة حماس إطلاق طوفانها الذي أغلظت إسرائيل الرد عليه، وحتى جلس الطرفان في شرم الشيخ يوقعان بالأحرف الأولى اتفاقاً تنضج مراحله وتفاصيله في انتظار الاحتفال بتوقيع نهائي عليه.
بين هذين القوسين: قرار حماس، وجرائم إسرائيل بحق قطاع غزة، اكتملت صورة الإبادة بحق أهله، وتفجرت نيران المعاناة من غياب الغذاء والدواء والمسكن والأمل في المستقبل. وها هو بعض الأمل، وإن كان حذراً يتخوف من تهور أي طرف، يعود إلى سكان القطاع الذين يتحركون في المساحات المسموح لهم بالتنقل فيها، في محاولة مستحيلة لاستعادة لحظات مما كان قبل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، فلا البيوت بقيت على حالها، ولا الشوارع احتفظت بملامحها، ولا الذين قتلوا بغير ذنب قادرون على محاكمة قاتليهم أو تخفيف وجع ذويهم.
ما يرافق الغزيين الآن في محاولات استعادة معاني الحياة هو ما حفرته الحرب في نفوسهم، ومن الصعب إزالته في وقت قصير، وما وضعهم على حافة اليأس من كل شيء، وملامح الانفراجة التي أحدثها وقف الحرب ومكنهم من العودة إلى أماكنهم التي نزحوا منها، ولو للعيش على أطلالها وبين ذكريات من رحلوا.
يخيل أن الغزيين منغمسون أكثر في تفاصيلهم الخاصة ودواخلهم، ليسوا منشغلين بما يسهر الساسة على بلورته ترجمة لخطة ترامب، تهمهم العناوين مثل «وقف الحرب» أو «دخول المساعدات»، بما يمهد الطريق لعودة أي شكل من الحياة هو في كل الأحوال أكثر إنسانية مما خبروه خلال العامين الماضيين.
الفرعيات، ودقائق الخرائط، والمراحل، والمراوغات، وعمل اللجان، وضغوط الرعاة والوسطاء، والمشاورات المتنقلة بين العواصم ومراكز صنع القرار لا تشغل، على أهميتها، إلا الساسة وخبراء الحرب والسلم والتفاوض. أما الغزي، فلا ينتظر إلا بشارة انتهاء المعاناة في تصريح من أي اتجاه، ولا يبحث إلا عن مواعيد عودته إلى بيت، أو ما كان بيته، ودخول الغذاء والدواء والعمل، والأهم أنه باقٍ، وفق الخطة، في أرضه لا يطارده الموت أو التهجير.
ومثلما كان العالم في معظمه يتابع جرح غزة ينزف أرقاماً للقتلى والمصابين والنازحين من غير أن يقف طويلاً عند التفاصيل، له أن يفعل ذلك والحرب تتوقف، ويترك الغزي يحاول الاستيعاب والإحساس بمقدمات الحياة العائدة.

[email protected]