اتصلت بأحد الأصدقاء لأرى أحواله، فإذا به يشتكي من ضغط العمل والحياة، وأنه لا يملك وقتاً إلا في إجازة نهاية الأسبوع ليرتاح فيها ويستعيد أنفاسه استعداداً لروتين الأسبوع القادم. لا أعلم كيف صار التعب اليوم عملة اجتماعية نتبادلها كما نتبادل التحية، من لا يقول إنه مشغول يظن أنه بلا قيمة، ومن لا يشكو من ضغط الوقت يبدو غريباً عن العصر. تحول الإرهاق إلى رمز للإنجاز، حتى غدونا نقيس قيمة الإنسان بقدر ما أنهكه يومه، لا بما أنجزه حقاً.
لكن خلف هذا المشهد «المنتج» تختبئ أزمة أعمق، فالكثيرون لا يركضون نحو هدف، بل يهربون من فراغ، والعمل صار غطاء يخفي خوفنا من مواجهة أنفسنا، نملأ يومنا بالمواعيد حتى لا نسمع صوت الأسئلة المؤجلة، هل فعلاً هذا ما أريده؟ هل حياتي تسير نحو أهدافي؟ هل أنا أعيش فعلاً؟
لقد جعلتنا ثقافة السرعة نؤمن بأن التوقف خسارة، وأن البطء ضعف، وأن التفكير مضيعة وقت، لكن الحقيقة أن أغلب ما نسميه نشاطاً هو في جوهره هروب من الصمت، ذلك الصمت الذي يكشفنا أمام أنفسنا، نظن أننا نتقدم، بينما نحن في الحقيقة نبتعد عن ذاتنا، عن أحبابنا، وعن اللحظة التي تمنح وجودنا اتزانه ومعناه.
نعيش كأننا نطارد موعداً لا يأتي أبداً، نبحث عن الإعجاب لا عن الاتزان، عن التصفيق لا عن السكينة، ثم نتساءل في نهاية اليوم لماذا لا نشعر بالرضا رغم كل هذا الجهد، نبدو مشغولين بكل شيء إلا بما يهم فعلاً.
هذه الثقافة لا تخلق توازناً، بل استنزافاً يلبس وجه الطموح، فنحن نربي جيلاً يعرف كيف يعمل بلا توقف، ولا يعرف كيف يعيش حضوره الحقيقي، جيل يتقن الجهد لكنه يجهل المعنى، جيل يرى في الصمت قلقاً، وفي الهدوء علامة ضعف، وفي الراحة دليل كسل، بينما الراحة، في حقيقتها، لحظة تجديد للجسد والعقل كي يكملا الطريق بصفاء.
والحل هو أن نعمل بدافع الإتقان لا بدافع الإثبات، أن نرى في الراحة جزءاً من المهنية لا خصماً منها، أن نفهم أن التوازن ليس رفاهية، بل استثمار طويل المدى في الاستمرارية، أن نعيد لأنفسنا القدرة على أن نتوقف، ونتأمل، ونستعيد توازننا قبل أن نواصل السير.
في النهاية، النجاح الحقيقي ليس أن تصل قبل غيرك، بل أن تصل وأنت بكامل قواك، والإنسان الناضج ليس من يرهق نفسه أكثر، بل من يعرف متى يتوقف ليحفظ اتجاهه، لأن الحياة ليست سباقاً مع الزمن، فالتعب لا يصنع العظمة، وضوح المعنى هو الذي يصنعها، والذي يعرف كيف يوازن هو وحده من يعيش الحياة حقاً، لا من يستهلكها بالإنهاك.
وهم الضغوط
18 أكتوبر 2025 00:14 صباحًا
|
آخر تحديث:
18 أكتوبر 01:58 2025
شارك