صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
محمد القبيسي
كاتب
أحدث مقالات محمد القبيسي
6 يونيو 2026
من درابك

هناك كلمة شعبية نرددها وهي «من درابك»، وتحمل معاني مختلفة بحسب السياق الذي قيلت فيه، أما في مقالتي هذه فأقصد بها أولئك الأشخاص الذين يعيشون من أجل الآخرين، واختاروا طريقاً ليس لأنهم يريدونه، بل لأنهم يريدون أن يراهم الناس بصورة معينة، فكم من شخص استمر في عمل لا يحبه، أو تحمل ضغوطاً فوق طاقته، ليحافظ على صورة رسمها الآخرون عنه.

مسؤول في عمله يضغط على نفسه وعلى موظفيه، وساعات دوام إضافية، ليظهر أمام الإدارة بانه الأكثر اجتهاداً وانشغالاً، فأقول له من درابك.

ومشهور على «السوشيال ميديا» يحرق وقته وطاقته بين «البثوث» والفيديوهات والسفر، ليبقى حاضراً في المشهد، فأقول له من درابك.

ومتقاعد يوزع وقته بين الجمعيات والاجتماعات، ليس لأنه يجد فيها معنى حقيقياً، بل لأنه يخشى أن يختفي، فأقول له من درابك.

وهناك من يستدين أو يرهق نفسه مالياً ليشتري ما لا يحتاج، أو ليقيم مناسبة فوق طاقته، ليحافظ على صورة معينة أمام الناس، فأقول له من درابك.

المشكلة ليست في الطموح ولا في النجاح، فهذه أمور مطلوبة، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الإنسان أسير الصورة التي صنعها لنفسه، هنا يبدأ الانشغال بالانطباع أكثر من الحقيقة.

فبعض الناس ينجحون في بناء صورة لامعة أمام الآخرين، لكنهم يدفعون مقابل ذلك أثماناً لا تظهر للناس، هناك من بنى حضوراً قوياً أمام الجمهور، لكنه خسر حضوره داخل منزله، وهناك من أصبح معروفاً لدى آلاف الناس بينما أصبح غريباً عن أقرب الناس إليه، وهناك من اهتم بتفاصيل صورته الخارجية إلى درجة أنه أهمل علاقاته الأسرية وسلامه النفسي.

ولهذا نرى أشخاصاً يملكون كل ما كانوا يحلمون به يوماً ما، ولا يشعرون بالراحة، فقد حصلوا على الإعجاب لكنهم خسروا الطمأنينة.

ليس المقصود من هذا الكلام التقليل من قيمة النجاح أو المكانة، لكن قيمتها تتراجع عندما يكون ثمنها راحة الإنسان أو أسرته أو سلامه النفسي، فالنجاح لا يقاس فقط بما يراه الناس، بل بما يشعر به الإنسان عندما يغيب الناس.

لا تكمن الحكمة في أن نهمل صورتنا أمام المجتمع، بل في إلا نجعلها تتحكم في مصائرنا، فالناس قد يعجبون بالصورة التي نصنعها، لكننا نحن من نعيش نتائجها كل يوم، ولذلك يبقى السؤال، هل نبني حياة نريد أن نعيشها، أم نبني صورة نريد للناس أن يروها؟ لأن الفرق بين السؤالين قد يختصر سنوات طويلة من التعب، وربما يختصر عمراً كاملاً قضاه بعض الناس يطاردون صورة أرادها الآخرون لهم لا حياة اختاروها لأنفسهم... وفي النهاية، من درابهم؟

[email protected]

30 مايو 2026
نظام «الطيبات والطيبون»

كل يوم يخرج علينا عبر منصات التواصل الاجتماعي طبيب أو خبير أو مستشار غذائي، يحمل نظاماً جديداً وأسلوب حياة، يقال إنه قادر على تغيير حياة البشر، ومع كثرة هذه الأنظمة، أصبح لكل واحد منها مؤمنون به ومدافعون عنه، وكأننا أمام فرق رياضية أو تيارات فكرية لا مجرد آراء غذائية، إلى أن ظهر مؤخراً دكتور ببرنامج سماه «نظام الطيبات»، لكني شعرت بأن الاسم ينقصه جزء آخر وهو «والطيبون»، فنجاح مثل هذه البرامج لا يقوم على الطعام وحده، بل على وجود من يبحث عمن يبرر له ما يحب.

المشكلة ليست في هذا النظام وحده، بل في ظاهرة تتكرر كل يوم، فالكثير من الناس لا يبحثون عن الحقيقة بقدر ما يبحثون عمن يريحهم منها، يريدون من يطمئنهم أن عاداتهم ليست سيئة، وأن الإفراط في بعض الأطعمة لا يستحق كل هذا القلق، وأن بإمكانهم الاستمرار كما هم، دون مراجعة أو تغيير.

والمفارقة أن صاحب هذا النظام رحل عن عمر 47 عاماً، رحمه الله، وليس المقصود من ذكر ذلك، الحُكم على الرجل أو على تجربته، فالأعمار بيد الله، لكن ما يدعو للتأمل هو سرعة تحول بعض الأشخاص في نظر متابعيهم إلى مَراجع لا تناقَش، وكأن رأي الفرد أصبح عند البعض أقوى من كل رأي آخر.

نحن اليوم نعيش زمناً يكفي فيه مقطع قصير ليصنع خبيراً، ويكفي فيه عدد كبير من المتابعين ليمنح صاحبه سلطة على عقول الناس، ولهذا أصبح من الضروري أن نتعامل مع ما نراه ونسمعه بشيء من التروي، لا بشيء من الانبهار.

أما الحقيقة التي نعرفها جميعاً فهي أبسط من كل هذه المعارك الغذائية، مشكلتنا ليست في نوع الطعام فقط، بل في علاقتنا بالطعام، نحن نأكل أكثر مما نحتاج، ونشتري أكثر مما نحتاج، ونستهلك أكثر مما نحتاج، إذا جلسنا إلى المائدة لا نغادرها إلا بعد أن ننهي كل ما عليها، ثم نتساءل بعد ذلك عن سبب السمنة والسكري وأمراض القلب.

لقد غابت عنا ثقافة الاكتفاء، وحل مكانها الإفراط، وأصبح كثير من الناس يبحثون عن حل سريع، بدلاً من مراجعة عاداتهم اليومية وأسلوب حياتهم، وبين الحرمان الكامل والانفلات الكامل ضاع الاعتدال، وهو المبدأ الذي عرفه الناس قبل أن تظهر كل هذه الأنظمة بسنوات طويلة.

لذلك فإن المحافظة على صحتنا لا تحتاج إلى بطل جديد كل شهر، ولا إلى نظام جديد كل أسبوع، ما تحتاجه هو شيء من الاعتدال، وشيء من المسؤولية، وكثير من الصدق مع النفس، فربما لم تكن المشكلة يوماً في نظام الطيبات، بل في الطيبين الذين يصدقون كل من يعدهم بحياة أسهل وأفضل.

[email protected]

23 مايو 2026
مجالس تستنزفك

المجالس وُجدت ليجتمع فيها الأصدقاء والأقرباء والأحبة، وليجد الإنسان فيها راحته بعد يوم طويل، مكاناً يخف فيه التعب، وتقترب فيه الأرواح بعيداً عن ضغوط الحياة، لكن شيئاً ما تغير بهدوء في السنوات الأخيرة، فبعض المجالس لم تعد تمنح الإنسان الطمأنينة نفسها، بل بات يخرج منها الواحد مثقلاً بشعور لا يستطيع تفسيره بسهولة، حتى وإن بدا كل شيء طبيعياً في ظاهره.

الغريب أن الأمر لا يرتبط دائماً بمشكلة واضحة أو صدام معلن، فلا خلاف حدث، ولا كلمة جارحة قيلت، ولا إساءة مباشرة وجهت لأحد، ومع ذلك، يغادر الإنسان أحياناً وكأن شيئاً من طاقته النفسية قد استنزف دون أن يشعر.

تبدأ الجلسة عادية في ظاهرها، ثم ينتقل الحديث بهدوء إلى من اشترى، ومن سافر، ومن كبر مشروعه، ومن تبدلت حياته، ومن يملك ما هو أكثر، فجأة تتحول الجلسة، دون إعلان، إلى مساحة مقارنة مفتوحة، يحاول فيها الجميع الظهور بأفضل صورة ممكنة، وكأن هناك جائزة غير مرئية لمن يبدو أكثر نجاحاً وسعادة من الآخرين.

ومع الوقت، يدخل الإنسان بعض هذه المجالس وهو مرتاح، ثم يخرج منها وهو يشعر بأن حياته أقل مما كانت عليه قبل ساعة واحدة فقط، يبدأ بالتشكيك في خطواته، وفي الرضا الذي كان يشعر به قبل أن تداهمه مقارنات لا تنتهي.

هذه ليست حساسية زائدة أو ضعفاً في الشخصية، بل واقع يعيشه كثير من الناس اليوم تحت ضغط ثقافة الاستعراض، فبعض الأشخاص لا يسرقون وقتك فقط، بل يسرقون طمأنينتك أيضاً، يجعلونك تعيد التفكير في نفسك، وفي إنجازاتك، وفي رزقك، وكأنك متأخر دائماً عن سباق لا تعرف متى بدأ.

ولهذا بدأ كثير من الناس ينسحبون بهدوء، ليس كرهاً للناس، ولا تعالياً على العلاقات، بل حفاظاً على سلامهم الداخلي من الضجيج المستمر الذي تفرضه المقارنات اليومية، فالنضج الحقيقي لا يعني أن يكون حول الإنسان أكبر عدد من العلاقات، بل أن يعرف جيداً مع من يشعر بالراحة بعد اللقاء؟ ومع من يحتاج الى وقت طويل حتى يعود إلى نفسه؟

وكلما نضج الإنسان من الداخل، قل انجذابه للمجالس التي تعتمد على المظاهر، وكثر بحثه عن الأماكن التي يستطيع أن يكون فيها على طبيعته، دون مبالغة أو تمثيل أو محاولة دائمة لإثبات شيء للآخرين، فأحياناً جلسة قصيرة مع شخص صادق تعيد للإنسان توازنه أكثر من عشرات العلاقات العابرة.

في النهاية، لا تقاس قيمة العلاقات بعدد الناس حولنا، بل بالراحة التي يتركونها داخلنا، فالإنسان قد ينسى كثيراً مما قيل في المجالس، لكنه لا ينسى أبداً كيف شعر بعد أن غادر.

9 مايو 2026
نسخة أفضل

أصبح الإنسان اليوم يتعامل مع نفسه وكأنه مشروع لا يحق له الاكتمال، يستيقظ كل يوم باحثاً عن نسخة أفضل منه، وينام وهو يشعر أن ما فعله لا يكفي، ومع مرور الوقت يتحول هذا السعي من طموح طبيعي إلى ضغط داخلي مستمر يرافقه في كل تفاصيل يومه.

المشكلة لم تعد في الرغبة بالتطور، فالنمو جزء من طبيعة الإنسان، لكنّ الخلل يبدأ حين تصبح قيمة الإنسان مرتبطة دائماً بما ينقصه، لا بما يملكه، فيعيش إحساساً دائماً بأنه متأخر، مهما أنجز.

في لحظات بسيطة، مثل بداية اليوم، قد يفتح الإنسان هاتفه فيجد نفسه أمام سيل من قصص النجاح والإنجاز، فيقارن واقعه بلقطات منتقاة من حياة الآخرين، ويخرج بانطباع ثقيل أنه لا يفعل ما يكفي، رغم أنه لم ير إلا الصورة، لا الحقيقة كاملة، وهنا تبدأ معركة صامتة، لا يراها أحد، لكنها تستنزف الإنسان من الداخل.

لقد تحول تطوير الذات عند البعض من وسيلة للنمو إلى حالة استنزاف مستمرة، حتى أصبحت الراحة نفسها تشعر البعض بالذنب، وكأن التوقف للحظة يعني التأخر، لا الاستعادة، ويمكن ملاحظة ذلك في تفاصيل يومية بسيطة، في أبٍ يجلس مع أطفاله لكنه منشغل ذهنياً بما ينتظره من مهام.

ومع الوقت، لم يعد هذا الضغط حالة فردية، بل أصبح جزءاً من ثقافة كاملة تدفع الإنسان إلى السعي المستمر، فكلما شعر بالنقص، ازداد اندفاعه، واتسعت مقارناته، وتسارع إيقاع حياته، حتى أصبح يعيش إحساساً دائماً بأنه لم يصل بعد، مهما تقدم.

في هذا السياق، يبدأ الإنسان بالنظر إلى نفسه كنسخة غير مكتملة تحتاج تحديثاً دائماً، فيربط قيمته بالأرقام والإنجازات ونظرة الآخرين، وينسى أن الحياة ليست سباقاً مفتوحاً لإثبات الكفاءة، بل تجربة تحتاج إلى توازن ووعي وهدوء داخلي عميق ومستقر.

المفارقة أن بعض الناس قد يحققون ما كانوا يسعون إليه، لكنهم لا يشعرون بالاكتفاء، لأنهم لم يتوقفوا يوماً ليروا ما وصلوا إليه أصلاً، بل اعتادوا النظر دائماً إلى ما ينقصهم، المشكلة ليست في قلة الإنجاز، بل في غياب لحظة الصدق مع النفس، تلك اللحظة التي يهدأ فيها الإنسان قليلاً، ليرى طريقه بوضوح، لا من زاوية النقص، بل من زاوية ما تحقق، وأن يمنح نفسه اعترافاً صادقاً بما وصل إليه، لا مقارنة مستمرة بما لم يصل إليه بعد، لأن من لا يعرف كيف يرى ما أنجزه لن يعرف متى يكفيه، وسيبقى عالقاً في دائرة سعي لا تنتهي، مهما تقدم، ومهما حقق.

[email protected]

2 مايو 2026
راحة البقاء في المشكلة

نعتقد في كثير من الأحيان أن من يتحدث عن مشاكله يبحث عن حل، لكن هذه الفكرة ليست دقيقة كما تبدو...

في الحياة اليومية نواجه نمطاً متكرراً، أشخاصاً يعرضون معاناتهم باستمرار، يعيدون التفاصيل نفسها، ويطلبون النصيحة، لكن دون أي تغيير حقيقي في سلوكهم أو قراراتهم، هنا لا تكون المشكلة في غياب الحلول، بل في غياب الاستعداد لمواجهتها.

خذوا بيئة العمل مثالاً، قد يقضي أحدهم سنوات يشتكي من الضغط أو من أسلوب الإدارة، ومع ذلك يرفض أي فرصة للتغيير، أو يؤجلها مراراً، هذا التناقض لا يرتبط دائماً بالخوف من المجهول فقط، بل أحياناً بالاعتياد على الوضع القائم، فالمألوف حتى لو كان مرهقاً، يمنح شعوراً بالراحة لا يوفره المجهول.

الأمر نفسه يتكرر في العلاقات، نسمع عن علاقات تستنزف أصحابها نفسياً، ومع ذلك تستمر لفترات طويلة، تطرح حلولاً واضحة، لكن يقابلها تردد أو تبرير أو تأجيل، هنا لا تعود المشكلة مجرد ظرف خارجي، بل تتحول إلى حالة داخلية مرتبطة بالهوية، ويصبح الخروج منها أصعب من البقاء فيها.

حتى على المستوى الشخصي، قد يشتكي البعض من قلة الإنجاز أو تشتت التركيز، لكن دون اتخاذ خطوات حقيقية للتغيير، وكأن الحديث عن المشكلة أصبح بديلاً عن التعامل معها.

الأمر لا يرتبط دائماً بالكسل أو ضعف الإرادة، بل أحياناً بطريقة أعمق في التفكير، حين يكرر الإنسان سرد مشكلته، يبدأ عقله في تثبيت هذه القصة كجزء من هويته، ومع الوقت لا يرى نفسه كشخص يمر بظرف مؤقت، بل كشخص معرف بهذا الظرف، وهنا يصبح أي تغيير محتمل تهديداً لهذه الصورة، حتى لو كانت مؤلمة.

لهذا، نجد أن بعض النصائح، رغم وضوحها، لا ترفض بشكل مباشر، بل يتم تجاهلها بهدوء، ليس لأنها غير مفيدة، بل لأنها تصطدم بصورة داخلية لم يتم الاستعداد للتخلي عنها.

في بعض الحالات، تمنح المشكلة صاحبها مكاسب غير مباشرة، مثل التعاطف، أو الاهتمام، أو حتى مبرراً لتأجيل قرارات صعبة، لذلك لا يكون الحل دائماً خياراً مريحاً، لأنه يعني تحمل مسؤولية، والتخلي عن دور اعتاد عليه الإنسان لفترة طويلة، والمفارقة أن بقاء المشكلة قد يبدو، أحياناً، أسهل من إنهائها.

في زمن أصبحت فيه مشاركة المشاعر سهلة وسريعة، قد يتحول التعبير عن المعاناة إلى بديل عن التعامل معها، وبين هذا الحديث المستمر، تتأجل أهم خطوة وهي المواجهة الصادقة مع النفس، والأصعب من حل المشكلة هو التخلي عن النسخة التي اعتدنا أن نكون داخلها، والسؤال الأهم هنا ليس ما هو الحل؟ بل هل نحن مستعدون له فعلاً؟ لأن التغيير لا يبدأ حين نجد الإجابة، بل حين نمتلك الشجاعة لتقبلها.

18 أبريل 2026
أخلاق الندرة في زمن الوفرة

نتحدث عن الاستدامة في وسائل الإعلام، قاعات المؤتمرات، والندوات العالمية، وكل مكان، لكننا لو دققنا في تفاصيل يومنا، لوجدنا أن بعض ممارساتنا اليومية تعكس أزهى عصور الهدر، والمفارقة العجيبة أن أجدادنا، رغم أنهم لم يدرسوا هذا المفهوم كما ندرسه اليوم، كانوا أكثر منا استدامة بفطرتهم، ليس لأنهم لم يملكوا البديل، بل لأنهم امتلكوا «أخلاق الندرة» التي كانت تظهر في سلوكهم اليومي، حين يأخذون بقدر حاجتهم، ويصونون ما تبقى، وكأنه لا بديل له، وهي الأخلاق التي نحتاج إليها اليوم في زمن الوفرة.

لم تكن الاستدامة عندهم خياراً، بل أسلوب حياة يمارس يومياً، كانوا يدركون أن من لا يدير موارده اليوم بحكمة، يفقد القدرة على التحكم في خياراته غداً.

ولو تأملنا تفاصيل الحياة قديماً لاكتشفنا أننا لا نتحدث عن بساطة عيش، بل عن فهم عميق لقانون التوازن، حيث تستخدم الموارد بحكمة واتزان.

لكن السؤال الذي يجب أن نواجهه بصدق اليوم، هل ما زلنا نحمل هذه العقلية، أم أننا تخلينا عنها دون أن نشعر.

نحن لا نعيش مفارقة فقط، بل نشارك فيها أحياناً دون وعي، نتحدث عن الاستدامة، لكن بعض أنماط حياتنا تكافئ الهدر، نشيد بالمحافظة على الموارد، ثم نستهلك بلا وعي، وهنا تكمن الحقيقة غير المريحة، المشكلة لم تعد في غياب المعرفة، بل في غياب الإحساس، لقد تحول الاستهلاك من حاجة إلى عادة، ويستدعي ذلك مراجعة جادة.

إن التحدي الذي نواجهه اليوم ليس فقط في تطوير تقنيات جديدة، بل في استعادة تلك العقلية الحكيمة التي صنعت توازننا في الماضي، لأن الاستدامة ليست مشروعاً بيئياً، بل موقف أخلاقي، هي أن تدرك أن ما بين يديك اليوم ليس ملكك بالكامل، بل أمانة عابرة.

ومن هنا تأتي أهمية رؤية قيادتنا التي وضعت الاستدامة في صميم مستقبل الدولة، امتداداً لنهج الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي لم ينظر إلى البيئة كملف، بل كقضية وجود.

لكن الرؤية وحدها لا تكفي، إن لم تتحول إلى سلوك، ودورنا اليوم ليس أن نكرر المصطلحات، بل أن نراجع أنفسنا بصدق ونتحمل مسؤولية ما نفعل، فالاستدامة لا تُختبر في الخطط الكبرى، بل في التفاصيل الصغيرة التي نمارسها كل يوم دون أن نشعر.

أخلاق الندرة ليست فكرة، بل معيار بسيط، ألا تأخذ إلا ما تحتاج، وألا تشتري إلا ما تستخدم، وألا تهدر ما يمكن حفظه.

في النهاية، الاستدامة ليست كلاماً يقال، بل سلوك نعيشه ونحافظ فيه على مواردنا، ومن يهمله اليوم، قد يدفع ثمنه غداً.

[email protected]