بثّت فضائية «الغد» برنامج «حوار على الرصيف» مباشرةً في أحد شوارع غزة تحدّث فيه زكريا بكر، مسؤول لجان الصيّادين في القطاع، والصحفية عُلا كسّاب، عضو الأمانة العامّة في نقابة الصحفيين الفلسطينيين، التي قالت إن الاحتلال الإسرائيلي منع 4000 صحفي عربي وعالمي من دخول غزة، وتحدثت بشكل عام عن الظروف القاهرة التي واجهها الصحفيون وطواقمهم الإعلامية في حرب غزة.
ما قالته الصحفية علا كساب توثيقي وميداني ومعلوماتي، غير أنني هنا أتوقف عند الخريطة الواقعية التراجيدية التي شرحها زكريا بكر عن معاناة الصيّادين في القطاع أثناء الحرب، وهي قصة منسية أو شبه منسية لدى الكثير من وسائل الإعلام على الرغم من أن البحر وثقافته واقتصاده وجمالياته جزء مهم جداً من تكوين ذاكرة الفلسطيني الغزّي، وخاصّة البحّار الصّياد الذي هو مثلما قال زكريا بكر مثل السمكة يموت إذا خرج من البحر.
في أثناء الحرب، لم يخرج الصّياد الغزّي من البحر، وسجّلت كشوف وبيانات الحرب المئات من شهداء البحر، إلى جانب المعتقلين من الصيادين الذين طاردهم الاحتلال، وباختصار هو قال إن إسرائيل دمّرت قطاع الصيد في غزة بشكل ممنهج.
هناك صيّادون كبار في السن دفعتهم إرادة الحياة إلى صناعة مراكب صيد بديلة عن تلك التي دمّرتها القوات الإسرائيلية، وهي صناعة «الحاجة أم الاختراع»، فقد لجأ هؤلاء الصيادون، بحسب قصة زكريا بكر إلى صناعة مراكب من ألواح الفلّين، وأبواب الثلاجات، ومن كل شيء يطفو على وجه الماء كما قال.
صنع الصيّاد الفلسطيني الغزي شباكاً جديدة تلائم حاجته أو من خلال ما توفر لديه من مواد لهذه الصناعة البدائية، فقد أعادت الحرب كل شيء إلى ما هو بدائي.
الفلسطيني الغزّي أيضاً له وطنه الأرضي غير القابل للخروج إلى أي مكان طالما هناك شارع اسمه شارع الرشيد يمتد طولياً من الشمال إلى الجنوب، ومن الجنوب إلى الشمال، وهو طريق الرحلة الزمنية والمكانية التي اعتادها الغزّي، وهو يحمل أغراضه على شاحنة أو عربة كارو يجرّها حصان هزيل.
يدير الصياد الفلسطيني ظهره لقاتل أبنائه: ويغني إن كان لديه وقت للغناء: «صيد العصاري يا سمك يا بُني، تلعب في الميّه، لعبك يعجبني».

[email protected]