حين يتعرض موقع أثري أو تاريخي أو متحف للسرقة، يتقاسم المتخصصون والمولعون بالكنوز والنوادر الإحساس بفداحة الخسارة المتأتية من ضياع شواهد ماضٍ إما تتعرض للتدمير أو الفقد بغير رجعة. في المعالجة الأمنية لمثل هذه الجرائم، قد لا يقف المعنيون عند خسارة ملمح من الماضي، بقدر التركيز على الاختراق الذي حدث في موقع السرقة ومكّن اللصوص من ولوجه والخروج منه بسهولة وفي وقت قياسي بمعايير واحدة من الدول الكبرى.
في واقعة متحف اللوفر في باريس، نحن أمام مقارنة تفرضها سرقة مقتنيات لا تقدر بثمن بين مسؤولين في الحكومة الفرنسية، الأول رشيدة داتي، وزيرة الثقافة، والثاني زميلها حامل حقيبة العدل.
الوزيرة التي تمثل هنا، على الأقل بحكم منصبها، الإحساس بخسارة الماضي، كانت أول من أعلن عن واقعة السرقة وقصدت متحف اللوفر ثم طمأنت من يعنيهم الأمر إلى أن تاج الإمبراطورة أوجيني الذي كان بين المسروقات، عُثر عليه بالقرب من المكان ويخضع للفحص.
الأكثر حاجة إلى الفحص في نظر جيرالد دارمانان، وزير العدل، هو حاضر الواقع الأمني الفرنسي الذي ساد الانطباع بفشله إثر وقوع عملية السرقة، خاصة أن بلاده تزخر بالكثير من المتاحف ومقتنياتها لا تقدر بثمن كتلك التي طالتها أيدي اللصوص في «اللوفر باريس».
أقرّ الوزير، وهذا مسلك حميد، بالفشل، وإن جزم بأن الشرطة ستلقي القبض على المتورطين في هذه العملية الخاطفة التي لها سوابق في التاريخ، سواء في «اللوفر»، أكثر المتاحف جذباً للزوار في العالم، أو غيره من متاحف فرنسا، لكن الخسارة هذه المرة، بعيداً عن التقييم الأمني، أفدح، والمسروقات التي يبدو أن اللصوص على علم بقيمتها التاريخية، لا تقدر بثمن.
حاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن يوازن بين خسارتي الماضي والحاضر، قائلاً إن«السرقة المرتكبة في متحف اللوفر تمثل هجوماً على تراث نفخر به لأنه تاريخنا... سنستعيد الأعمال الفنية وسيمثُل مرتكبو الجريمة أمام العدالة». وفي كل الأحوال، ستنشط الأجهزة الأمنية، وقد تلقي القبض على متهمين، أو تستعيد جزءاً مما سرق، لكن الواقعة ستبقى تاريخية، غير أن الأخطر أن تكون مبرراً لعمليات سطو سابقة أو تالية على كنوز الماضي بالاتكاء على أن دولة مثل فرنسا لا تفرق في شيء عن أخرى فقيرة أو مهملة في حماية الماضي، سواء بالتراخي في حمايته، أو سوء اختيار المؤتمنين عليه، أو تعقّب من امتدت أياديهم إليه.
إن دولة في أية قارة قد تعتبر امتلاكها معلماً تاريخياً أو أثراً فريداً نعمة تحيطها بكل ما أمكن من سبل الحماية، لكن مأساة الدول التي تستعصي كنوزها على الحصر قد تركن إلى كثرتها وتنوعها فتتركها نهباً للضياع أو السرقة، ولا تحاسب المقصرين والمتواطئين.
واقعة «اللوفر باريس» هي كما عبّر عنها موقف ماكرون الوسطي، سرقة للماضي والحاضر.
سرقة الماضي والحاضر
21 أكتوبر 2025 00:07 صباحًا
|
آخر تحديث:
21 أكتوبر 00:07 2025
شارك